أدى تطور وسائل النقل الحديثة، ووقوع الكوارث الطبيعية والتي من صنع الإنسان كالحروب، والمتغيرات المناخية والبيئية، ونظم السياسة والاقتصاد والمال المعاصرة  إلى التأثير على استقرار سكان العالم وعلى مصادر العيش الأساسية.

وبسبب الظروف المعيشية القاهرة والبيئات الطاردة لسكانها الأصليين، إلى جانب عولمة التأهيل والتعليم الذي يهيئ رأس المال البشري ليصبح قوة عاملة عابرة للحدود السياسية والعمل في دولهم أو الانتقال إلى دول أخرى، أو العيش في عالم مهني واجتماعي افتراضي لا تحده المعوقات الجغرافية، أصبحت الرغبة في تأمين لقمة العيش لدى جزء كبير من سكان العالم هي الدافع الأكبر لمغادرة دولهم، والحلم في الحصول على الاحتياجات الضرورية للبقاء على قيد الحياة ودعم أسرهم من المهجر، وهذا الحراك البشري غير المسبوق كانت له تداعيات واسعة، وتبادل حضاري وثقافي وفكري وقيّمي ومفاهيمي، وغسيل أدمغة وبرمجة عالمية ساهم فيها التقدم التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية المختلفة، مما أدى إلى تلاقح العادات والتقاليد والقيم وأساليب العيش والمثل العليا في جميع أنحاء العالم.

هذا الحراك أدى إلى ظهور هوية جامعة دولية تعمل كالثقوب السوداء في امتصاص جميع الهويات الأخرى إلى داخلها، وتحدي المفاهيم الطويلة والوثيقة للهوية الوطنية في الحدود الجغرافية والسياسية المحددة، وتزامن هذا التحول السريع مع مجموعة من التحديات الأكثر عمقاً وانكماش اقتصادي هو الأكثر حدة منذ عقود، لتجد المجتمعات الحديثة نفسها مضطرة للتنقل عبر شبكة اجتماعية متشابكة بعد انهيار مفهوم الهيمنة التقليدي وبروز الشركات العابرة للقارات، بينما تستمر الدول المهيمنة في الفضاء الإلكتروني والتقني كلاعب سياسي وليس اقتصادياً ومالياً فقط، والتوسع في جني الفوائد من العولمة وإثبات الحجج السياسية لها، وتحول اندماج الهويات إلى هوس وأجندة ثابتة تشاركها فيها الدول التي انطلقت منها وتعتبرها أهم الأسلحة الحديثة التي تستخدمها لعولمة الهوية. حيث إنه في العامين الماضيين تجلى رد الفعل العنيف ضد الهجرة في الانتقادات الصريحة لمفهوم التعددية الثقافية بين القادة الأوروبيين، بينما يحدث العكس لدى القادة في أميركا والصين على سبيل المثال، ومحاولة تعويم السياسات التي تهدف إلى نسج المجتمعات معاً وفق مفاهيم القيم السائدة في الأحزاب الحاكمة لدى تلك القوى.

وفي هذا السباق تتفوق الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الراهن وبفارق يبدو تعويضه مستحيلاً. ولهذا تلجأ القوى المنافسة إلى تمهيد البديل وهو الربط الاقتصادي الذي سيولد تلقائياً بعداً ثقافياً وقيمياً، سيجعل النماذج العالمية للهوية متعددة وستتلاشى النسج الاجتماعية تباعاً، مع محاولات مستميتة من الأفراد في المجتمعات المهيمن عليها لتشديد قبضتهم على الأشياء العزيزة عليها كالهوية واللغة والثقافة والدين والقيم، والذي سيكون رهاناً خاسراً لأنهم سيستخدمون سبل معالجة يفرضها عليهم خبراء من الثقافات المهيمنة بصورة مباشرة، أو من خلال الزاد البشري الذي درس وتشرب أبناؤه القيم الأخرى وينظر بازدراء لموروثه، وحصر المواطنة والهوية في مظاهر سطحية ليس لها العمق الكافي لإحداث التوافق الثقافي والقيمي في مجتمعات تم اختراقها من خلال الاستعمار الاقتصادي والمالي والتقني والثقافي، وتم عزل وشيطنة قواها المؤثرة فكرياً وروحياً بصورة مستنيرة لخلق وعي محلي.

فالتواجد في الحدود الوطنية في الوقت الراهن تحول لحضور جسدي فقط، بينما تتغير الثقافات وستستمر في التغيّر بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وإنْ كانت الذات البشرية تحتاج إلى سياق ذي معنى يحمل ذكريات ومفاهيم انتماء يمكّن لهذه الذات أن تتصل بها، ولكن تواجه السياقات التاريخية اليوم اتجاهات معاصرة تتسبب في اختفاء تراث ثقافي كان في يوم من الأيام حاسماً للهوية الوطنية، وتواجه أيضاً طغيان الهوية الفردية لكل شخص حسب ميوله وأفكاره وقناعاته لتحديد هويته، وهكذا يشعر الشخص ذو النزعة القومية والذي يرى أن اللغة والدين والانتماء للعرق تشكل هويته تحدياً كبيراً تتصاعد حدته مع مرور كل دقيقة في حياته كفرد.

* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.