أظهر اجتماع قادة «المنتدى الأمني الرباعي» الذي عقد في اليابان مؤخراً، أن الخلافات حول روسيا ما زالت موجودة، لكن بلدان «الرباعي» قررت ألا تسمح لتلك الخلافات بعرقلة أجندتها. بل يمكن القول إن أعضاء «الرباعي» اتفقوا على ألا يتفقوا بشأن موضوع روسيا. 
الهند طلبت وقفاً فورياً للأعمال العدائية ودعت إلى الحوار والدبلوماسية سبيلاً لحل النزاع، في الوقت الذي امتنعت فيه عن التنديد الصريح والمباشر بروسيا التي تُعد أحد شركائها الرئيسيين في مجال الدفاع. واستمرت الدولة الجنوب آسيوية، التي شددت مؤخراً على أهمية استقلالها الاستراتيجي في السياسة الخارجية، في شراء النفط بأسعار مخفضة من روسيا، الأمر الذي يثير استياءَ الولايات المتحدة وأعضاءَ آخرين في «الرباعي» اتحدوا لفرض عقوبات صارمة ضد روسيا. 
لكن يبدو أن هذه الخلافات وُضعت جانباً في وقت تسعى فيه البلدان الأربعة إلى العمل معاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يُعد صعود الصين عاملاً موحداً ومشتركاً. والواقع أن ذلك كان متوقعاً من هذه المجموعة على اعتبار أن أستراليا واليابان والولايات المتحدة بلدان تربطها شراكة طويلة المدى خلافاً للهند. غير أنه في الوقت نفسه، يُنظر إلى الهند على أنها مهمة جداً لـ«الرباعي» باعتبارها الاقتصاد الكبير الآخر في آسيا، ومن المتوقع أن تنمو أكثر لتصبح قوة عالمية مهمة. ولهذا كان من المستحيل بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها السعي وراء تحقيق توازن القوة بدون الهند. ولعل هذه الحقيقة هي ما دفع شركاءَ «الرباعي» إلى التقدم في مناقشة أجندتها المشتركة. وبعد محادثات مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي في اليابان الثلاثاء الماضي، أشار الرئيس الأميركي جو بايدن إلى أن الزعيمين ناقشا تأثيرات «الغزو الوحشي وغير المبرر لأوكرانيا» من قبل روسيا. غير أن مودي، ومثلما كان متوقعاً، تحاشى أي إشارة إلى روسيا في تصريحاته لوسائل الإعلام. 
بيد أن الخلافات لم تُعق أجندةَ قمة «الرباعي» أو زخمها، حيث وقّعت كل بلدان «الرباعي» على «الإطار الاقتصادي للهند والمحيط الهادئ من أجل الازدهار»، إلى جانب اثني عشر شريكاً آخر. مبادرة انضمت إليها الهند أيضاً، وذلك بعد عامين على قرارها الانسحاب من «الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية» بسبب مخاوف بشأن غزو السلع الصينية للسوق الهندية. هذا الأمر يُنظر إليه باعتباره تحقيقاً للتوازن من قبل الهند التي تحرص أيضاً على إظهار أن الخلافات حول موضوع روسيا لا تعني أنها لن تنضم إلى مبادرات أخرى. كما وقّعت الهندُ «شراكة الهند والمحيط الهادئ للتوعية بالمجال البحري» لمراقبة المياه مع عين على الصين. 
وتظل بواعث القلق المشتركة المتعلقة بالصين القوةَ الموحِّدةَ بالنسبة للمجموعة. فـ«الرباعي» ما فتئ يكتسب زخماً كمجموعة، وهذا واضح من توسيع أجندته لتشمل جوانب مختلفة. كما يُظهر توقيع اتفاقية «شراكة المجال البحري» أن المجموعةَ تسعى أيضاً إلى إدخال بعض الجوانب الأمنية ضمن المعادلة. فـ«المنتدى الأمني الرباعي» يُعد حالياً أهم مجموعة متعددة الأطراف بالنسبة للهند. والولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان تكتلت ضمن هذا الإطار الذي تعارضه الصين وتعتبره تكتلاً يروم احتواء صعودها. وبالمقابل، تنظر الهند إلى «الرباعي» على أنه قوة من أجل الخير، حيث ما انفكت تشدد على أنه ليس تكتلاً عسكرياً في واقعه. وإذا كانت الهند لم تغيّر موقفها بشأن روسيا، فإن رأياً سائداً على نطاق واسع داخل الهند يرى أن الخلاف مع الصين سيستمر في تقريب الهند أكثر من الولايات المتحدة وحلفائها وسيبعدها عن علاقات تقليدية على غرار تلك التي تربطها بروسيا. 
غير أنه ما زالت أمام «الرباعي» طريق طويلة ليقطعها، إذ من غير المعروف كيف ستتطور الأجندة الاقتصادية. فاتفاقية «الإطار الاقتصادي» تهدف إلى تعزيز عمل الولايات المتحدة مع الاقتصادات الآسيوية، ويُنظر إليها باعتبارها بداية جيدة، لكن ما سيأتي لاحقاً هو موضع السؤال الأكبر والأهم. فهل ستستطيع البلدان الأربعة تطويرَ أجندة اقتصادية مشتركة؟ 
وكانت الهند قد أبقت على قرارها الانضمام إلى «المنتدى الاقتصادي» طيَّ الكتمان إلى أن تحدّث رئيس وزرائها مودي واصفاً المبادرةَ الاقتصادية بأنها «إعلان من مجموعتنا لجعل المنطقة محركاً للنمو الاقتصادي العالمي». ولعل ما سهّل على الهند الانضمام هو أن المنتدى لم يصل بعد إلى مستوى اتفاقية حقيقية للتجارة الحرة متعددة الأطراف، وهو ما كان سيصطدم ببعض المقاومة الداخلية. 
غير أن خبراء يعتقدون أن النقاط الخلافيةَ الممكنةَ مستقبلاً يمكن أن تشمل مواضيع مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، من قبيل توطين البيانات وتدفقها عبر الحدود ومجالات مثل معايير العمل.. ليظل السؤال هو ما إن كانت هذه البنية التنظيمية ستنجح؟ هذا الأمر سيشكّل اختباراً لـ«الرباعي» بلا شك. وإذا كان هذا الأخير قد بدأ يحصل على أسنان الأطفال الأولى في المجال الأمني، فمن غير المعروف بعد كيف ستتطور أجندته، وما إن كانت ستكون هناك وحدة بين أعضائه!


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي