عرفت العلاقات الدولية ظاهرة «العسكرة» منذ القدم نتيجة الإخفاق في حل التناقضات بين مصالح الدول سلمياً، إما لأن هذه التناقضات عدائيةٌ على نحو لا يمكن معه التوفيق بين هذه المصالح المتضاربة أو لبروز نزعات عدوانية لدى قادة أو جماعات لا ترضى بغير إشباع هذه النزعات بديلاً. وما الحروب الطاحنة التي شهدها تاريخ العالَم منذ القدم سوى الدليل على هذا. وحتى عندما استحالت الحروب المباشرة بين الكبار، بسبب توازن الردع النووي، حلّت محلها الحروبُ الهجينة بالوكالة كما في الحرب الفيتنامية خلال ستينيات القرن الماضي والنصف الأول من سبعينياته، والحروب الإقليمية كما في الحرب الهندية الباكستانية في مطلع السبعينيات، والحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973، والعراقية الإيرانية (1980-1988).. ثم بدأ القطبان الأميركي والسوفييتي يفكران في ضرورة التعايش على أساس عدم التعدي ضد مصالح أي منهما، فظهرت بوادر الانفراج في العلاقات بين القطبين مع مطلع سبعينيات القرن العشرين، ثم تحول هذا الانفراج إلى وفاق كامل مع وصول جورباتشوف إلى زعامة الاتحاد السوفييتي بـ«سياسات إعادة البناء» (البروسترويكا) والتي كان أهم مبادئها اثنان، أولهما «عالم واحد أو لا عالم»، ومفاده أن العالم بغض النظر عن انقسامه يواجه تحديات مشتركة كمخاطر نشوب حرب نووية بالصدفة وتغير المناخ والأوبئة العالمية، وأنه ما لم تتم المواجهة المشتركة لهذه التحديات فسوف نواجه خطر الفناء.. وثانيهما «توازن المصالح لا توازن القوى»، ومعناه أنه لا جدوى من سباقات التسلح في الصراعات المختلفة، والأجدى منها السعي لإيجاد صيغ متوازنة لتحقيق مصالح أطرافها، وأعقبت ذلك بالفعل موجة من موجات تسوية نزاعات إقليمية ذات أبعاد دولية وتحقيق تقدم ملموس في مفاوضات نزع السلاح، وبدا أن هناك أملاً في اتجاه البشرية للسلام تعزيزاً لمنطق التقدم التاريخي.لكن تجربة جورباتشوف أخفقت وانتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي، ومرت وريثته روسيا بسنوات صعبة فتحت شهيةَ الغرب لتوسيع حلف الأطلسي بحيث بات يضم أعضاء حلف وارسو الذي كان يمثل الهيكل التنظيمي للمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، بل وضم جمهوريات البلطيق الثلاث التي كانت أصلاً جمهوريات سوفييتية، ثم بدأ الحديث يتواتر حول ضم أوكرانيا وجورجيا. غير أن ما حدث في ظل تردي القوة الروسية كان من الصعب تكراره، وهكذا فإنه كما رد بوتين على الإطاحة بنظام الحكم الموالي له في أوكرانيا بضم القرم عام 2014 وتشجيع انفصاليي الشرق، رد هذه المرة بالاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين في الشرق وبعقد معاهدتي دفاع معهما وتنفيذ عملية عسكرية واسعة كي يحقق بالقوة العسكرية ما لم يحققه بالدبلوماسية. وبدلاً من أن تزكي هذه التطورات حلاً سلمياً للأزمة، ركّز السلوك الغربي على تزويد أوكرانيا بكميات هائلة من الأسلحة على أمل استنزاف القوة الروسية، ولو على حساب السلامة الإقليمية لأوكرانيا وأرواح شعبها، بينما كان من السهولة بمكان تلبية الهواجس الأمنية الروسية وتفادي القتال أصلاً. وهكذا يستمر القتال وتتزايد عسكرة التفاعلات الدولية بسبب غياب الرؤية الرشيدة، اللهم إلا إذا كان مرد زيادة العسكرة هو تعاظم قوة المجمع الصناعي العسكري الذي حذّر منه الرئيس الأميركي أيزنهاور قرب نهاية ولايته. فهذا المجمع هو المستفيد الوحيد من كميات الأسلحة التي يرسلها الغرب لأوكرانيا وتدمرها الآلة العسكرية الروسية أولاً بأول، بل إن مناخ العسكرة انتقل لدولتين محايدتين تاريخياً هما فنلندا والسويد، وإلى مناطق التوترات العالية بين الولايات المتحد والصين حول الحلف الثلاثي الذي كونته الولايات المتحدة مع بريطانيا وأستراليا بغية التصدي للدور الصيني الذي لامس قمة النظام العالمي بالفعل.. فهل من حسابات رشيدة تجنب العالَمَ مغبةَ الانزلاق إلى عسكرة لا تبقي ولا تذر.


أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة