في أواخر فبراير الماضي، وبينما كان معظم الناس مركزين على الحرب في أوكرانيا، نشر البيت الأبيض أكثر من 1300 صفحة من التقارير ضمن تحقيق غير مسبوق دام عاماً في نقاط الضعف الاقتصادية التي تتسبب فيها سلاسل التوريد العالمية. 
هذه التقارير لم تتلق أي اهتمام من قبل الصحافة تقريباً، غير أنها تسلّط الضوء على واحد من التأثيرات الجانبية المهمة للحرب في أوكرانيا، على اعتبار أن فصل اقتصادات الولايات المتحدة وحلفائها عن اقتصادات الدول السلطوية قد يتسبب في اضطرابات كبيرة. بعيد وصولها إلى البيت الأبيض، أصدرت إدارة (بايدن-هاريس) أمراً تنفيذياً بشأن «سلاسل توريد أميركا»، حيث أصدرت توجيهات لسبع وكالات فيدرالية بإجراء دراسات شاملة للتنظيم الاقتصادي الوطني والدولي لسلاسل التوريد الخاصة بالمعادن الاستراتيجية، والمواد الصيدلية، وأشباه الموصلات، والبطاريات، في غضون 100 يوم. كما أمرت الإدارة القطاعات الحكومية برفع تقارير في غضون عام حول علاقة تلك القطاعات ب«القواعد الصناعية» الأوسع في مجالات الدفاع، والطاقة الخضراء، والصحة العامة، وتكنولوجيا المعلومات، والنقل، والغذاء. 
إدارة (بايدن هاريس)، أرادت اكتشاف المخاطر الأمنية، حيث اكتسبت فكرة «قاعدة صناعية دفاعية» شهرةً بعد حرب فيتنام، وأكد مخططون عسكريون على أن الجاهزية العسكرية الوطنية تعتمد على شركات لا تخضع لسيطرة عامة مباشرة. وهو ما كان يعني أن الأمن الأميركي كان يعتمد أحياناً على شركات أجنبية، تنتج مواد تُعد حساسة بالنسبة للدفاع الذاتي الأميركي. 
الأمر المختلف اليوم هو أن ذاك التخوف بات يتعدى القطاع العسكري بكثير. فقبل هذه التقارير، لم يكن لدى القطاعات غير الدفاعية أي صلاحية أو تفويض للتفكير بشكل واسع بشأن القاعدة الصناعية في مجال الطاقة للاقتصاد المدني، مثلا. وقد تكون وزارة الطاقة فكرت بشأن سبل تعظيم إمدادات الطاقة المدنية، ولكنها لم تكن مركزة حقاً على «القاعدة الصناعية» التي تحتها -- على سبيل المثال، سلاسل التوريد الخاصة بالآلات لإنتاج الطاقة. 
التقارير تكشف أن العديد من سلاسل التوريد التي تُعد أساسية بالنسبة للأمن الوطني الأميركي تمر عبر الصين. وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك: فلدى الصين 80 في المئة من عمليات إنتاج وتكرير المعادن الأرضية النادرة، و61 في المئة من تكرير الليثيوم العالمي الخاص بالبطاريات والمركبات الكهربائية، و100 في المئة من معالجة الغرافيت الطبيعي اللازم للبطاريات، و97 في المئة من إنتاج رقائق السيليكون المستخدمة في الألواح الشمسية، و80 في المئة من قدرة تدوير بطاريات الليثيوم-ايون العالمية. 
وحتى في قطاعات مثل تعدين الكوبالت، الذي تهيمن عليه بلدان أخرى، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن الشركات الصينية هي التي تمتلك عملية الإنتاج وتسيطر عليها. كما وجد تقرير وزارة الطاقة بشأن سلسلة التوريد أن المنتج المهم الوحيد للمعادن الأرضية النادرة في الولايات المتحدة – شركة «إم بي ماتيريولز» – تمتلك حصة الأقلية فيه شركة صينية مملوكة للدولة، هي «شينغي ريسورسز»، التي تُعد أيضا المشتري الوحيد لإنتاجه. 
وعلى صعيد آخر، فإن دول «أوبك» الـ13 لا تسيطر سوى على 40 في المئة من إنتاج النفط العالمي. وإذا انتقل العالم إلى اقتصاد ما بعد الكربون، فإن اعتماد البلدان على الصين بخصوص بعض منتجات الطاقة سيصبح ضعف اعتمادها الحالي على «أوبك» بخصوص النفط، إذا لم يتغير أي شيء. وقد لخصت وزارة الطاقة الأميركية هذا الأمر بشكل صريح حين قالت: «إن أهداف التخلص من الكربون تتوقف على كل من الشركات الصينية والحكومة الصينية». 
تحاجج تقارير الحكومة الأميركية بأنه يمكن تقليص هذا الاعتماد الخطير من خلال سياسة صناعية خضراء طموحة. والجدير بالذكر هنا أن لدى الوكالات الأميركية مجموعة من الأهداف التي تسعى لتحقيقها بحلول 2030، وتشمل: أن تصبح 50 في المئة من المركبات التي تباع في الولايات المتحدة كهربائية، وأن يتم إنتاج 30 غيغاوات من رياح البحر في الولايات المتحدة، وأن تقلَّص كلفة تخزين البطاريات بـ90 في المئة، وأن تصبح كلفة الإنتاج بالنسبة للهيدروجين الأخضر (المصنوع من الماء والكهرباء) أقل من كلفة إنتاج الهيدروجين المستخرج من الوقود الأحفوري، وأن يتم تدوير 90 في المئة من معدن الإيريديوم المهم. وفي هذا الإطار، توصي الوكالات بتقوية برنامج «اشتر المنتجات الأميركية» التابع للحكومة الفيدرالية، ودعم القطاعات الخضراء عبر «قانون إنتاج الدفاع»، وبناء مخزونات من الطاقة النظيفة على غرار مخزونات النفط بالنسبة للولايات المتحدة، إلى جانب تدابير أخرى. 
قد تدفع الأحداث صناع السياسات نحو سياسة صناعية أكثر طموحاً. وبينما تقوم الدول بتكثيف جهودها لتخليص اقتصاداتها من الكربون، وإيجاد مصادر بديلة للمنتجات التي تأثرت بالحرب الروسية- الأوكرانية، قد يصبح واضحاً على نحو متزايد أن القطاع العام وحده هو القادر على توفير السلع العامة والتنسيق اللذين قد تتطلبهما هذه التحولات العميقة. وقد تبشّر هذه التقارير الجديدة بعهد جديد من المعارك السياسية حول ما إن كان من الأحسن الوثوق في الأعمال التجارية أو الحكومة لاتخاذ قرارات بشأن قطاعات حيوية من الاقتصاد. 

تود تاكر 

مدير السياسة الصناعية والتجارة بـ«معهد روزفيلت» في نيويورك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»