قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمناسبة تولّيه منصب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بعد انتخاب المجلس الأعلى له: إنّ الحكم أمانة. والأمانة في القرآن الكريم تفيد استخلاف الإنسان على الأرض لإعمارها. لكن في الحديث النبوي تأتي الأمانة أيضاً بمعنى إدارة الشأن العام، كما قال رسول الله (ص) لأبي ذر عن الولاية إنها أمانة. وبوعي الأمانة العالي هذا تشكلت مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد السياسية. فالأمانة تعني الحفظ وتُعنى به. وهي ليست قليلة الأهمية في إحدى أخطر مناطق العالم والواقعة على تقاطعات قاراتٍ وبحارٍ ومحيطات، وتحتوي أرضها وبحارها على ثرواتٍ كبرى بمقاييس عالمية يشتد عليها التنافس بين القوى العظمى والوسطى.

ولذلك كان التوازن الدقيق شديد الأهمية، واستجلاب الصداقات والأصدقاء مسألة استراتيجية معتبرة. وإلى هذا وذاك وذلك عمدت الدولة في العقد الأخير إلى اجتراح برنامجٍ شاسعٍ للتعاون والتسامح والتعايش والسلام في السياسات الداخلية والخارجية. وفي الوقت نفسه طوَّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد عندما كان نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلَّحة سياسات دفاعية فعّالة من خلال جيشٍ قويٍّ بسلاحٍ غربي متقدم، وقد أُعلن أخيراً عن ضرورة تنويع مصادر السلاح وأصنافه. وبهذه العدة من السياسات والإجراءات والمواثيق والاتفاقيات، ارتفعت حظوظ الأمن والأمان. وقد بدا ذلك جلياً عندما اعتدى «الحوثيون» على بعض المرافق، كيف حدث إجماعٌ في مجلس الأمن على إدانة العدوان، كما أعلنت كل الدول الكبرى – على اختلاف المعسكرات - عن التضامن والدعم.
ولأنّ الحكم في اعتبار رئيس الدولة أمانة، فإنّ الوحدة الوطنية كانت وما تزال أول المتطلبات. فلكل دولةٍ سردية أو قصة نشوء. ومن حظ أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، أن يكون المؤسس واحداً. وقد عملت الإمارة والدولة على شخصية الشيخ زايد بن سلطان وأعماله وذكراه، باعتبار ذلك كلّه أساس وحدة الوطن والمواطنين. بيد أنّ الوحدة الوطنية التي وضع قواعدها المؤسس لم تعد ذكرى، بل هي ما تزال واقعاً حاضراً ومتنامياً من خلال التعليم الشامل الأساسي والعالي وتكافؤ الفرص والمساواة بين الجنسين، ورفع الكفاءة المستمرة لأعمال إدارة الدولة لخدمة المواطنين، والاستمرار من خلال التنمية المستدامة في خلق فرض العمل والسير في دروب التقدم والإبداع في مجالاتٍ نوعية متعددة، كما صنع الشراكات والاتفاقيات الاستراتيجية على مدى العالم، تبعاً للمصالح الكبرى في الاعتماد المتبادل، وتطوير عولمة الاقتصاد وتجارب الشباب.
ويبقى أمرٌ آخر وليس أخيراً برزت فيه قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، فقد ساءت الأوضاع في الشرق الأوسط والخليج في العقود الأخيرة، بحيث تضاءلت القدرة على الخيارات السياسية، وصارت في معظمها ضرورات يغلب عليها الإرغام تحت وطأة الحاجة إلى الأمن والاستقرار. ويغلب عليها من جهةٍ أخرى الابتزاز أو تجاهُل ما جرى التوافق عليه منذ عقود. ولا شك أنّ دولة الإمارات تعرضت مثل غيرها لضغوط الضرورات والابتزاز. إنما لأنّ القيادة عملت على الدوام على تعديد الخيارات، وفتح الآفاق على البدائل وإمكانيات العلاقات الأُخرى الواعدة، فإنّ الحلفاء التقليديين والآخرين الجدد نسبياً اضطروا للتسليم بشروط الندية التي لم تقبل قيادة دولة الإمارات عنها بديلاً، ومع الأصدقاء القدامى والجدد.
في الأشهر الثلاثة الماضية قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بخمس أو ست رحلات، وعقد اجتماعات مع معظم قادة المنطقة. فهناك من جهة ظروف الانقسام العالمي المتفاقم والانعكاسات على المنطقة العربية. وهناك من جهةٍ أُخرى استطلاع إمكانيات تحريك ملفات الدول العربية التي ما تزل غارقة في الفوضى.
هي همةٌ لا تعرف الكلل، وحكمة في تحويل المآزق إلى فُرص. وهذا هو شأن رجال الدولة الكبار. 

أستاذ الدراسات الإسلامية- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية