انتقل إلى جوار الله الشيخ خليفة بن زايد بعد رحلة عطاء فياض امتدت لأكثر من نصف قرن، سخَّر فيها وقتَه لخدمة وطنه وأمته، بل الإنسانية جمعاء. فقد بدأ عطاؤه لشعبه وهو في الثامنة عشرة عندما كلَّفه والده العظيم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في عام 1966 حين كان حاكماً لإمارة أبوظبي بتمثيله في المنطقة الشرقية للإمارة ورئاسة المحاكم فيها. وهو ما يفسر التفردَ الذي ميّز مسيرةَ الفقيد الكبير، إذ اكتسب الخبرة منذ نعومة أظافره من والده الذي حرص على أن يصطحبه معه مذ كان ممثلاً للحاكم في منطقة العين. ويعني هذا أنه مرَّ بعملية تنشئة سياسية مثالية تولاها والدُه المؤسس. ولم تكن هذه المهمة الأولى سوى نقطة البداية في مسيرة حفلت بالعطاء الذي امتد لشعبه ووطنه، ففي عام 1969 أصبح ولياً لعهد أبوظبي والمسؤول عن دائرة الدفاع فيها، حيث أنشأ وحدةَ الدفاع التي أصبحت نواة للقوات المسلحة الإماراتية التي تحتل اليوم مكانةً متميزةً عربياً وإقليمياً ودولياً. ثم واصل دوره الرائد في بناء المؤسسة العسكرية الإماراتية عندما أصبح نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة عقب القرار التاريخي للمجلس الأعلى للاتحاد بدمج القوات المسلحة، فجعل من المؤسسة العسكرية ساحةً متفوقةً لإعداد أجيال من المقاتلين الأكفاء بإنشاء عديد من الكليات والمعاهد العسكرية وشراء أحدث الأسلحة والمعدات اللازمة لإبقاء قوات بلاده المسلحة في المستوى الذي يمكنها ليس فقط من الدفاع عن أمن وطنه وإنما للاضطلاع بمسؤوليات الدفاع عن الأمن العربي كما تجلى ذلك واضحاً من خلال المشاركة المتميزة للقوات المسلحة الإماراتية في التحالف العربي لنصرة الشرعية في اليمن.
على أن دور فقيد الإمارات والأمة العربية في مسيرة الدولة الفتية تميز بالشمول، فإذا انتقلنا من دوره الريادي في تأسيس المؤسسة العسكرية وتطويرها إلى الدور التنموي سنجد عطاءً بلا حدود، فمنذ اللحظة الأولى التي كان فيها المسؤول التنفيذي الأول في حكومة والده المؤسس إبان توليه مسؤولية إمارة أبوظبي ارتبط اسمه بالإشراف على المشروعات الكبرى في الإمارة، وارتبط اسمه بالنهضة الكبرى التي شهدتها. وامتد عطاؤه إلى المستوى الاتحادي عندما أصبح في ديسمبر 1973 نائباً لرئيس مجلس الوزراء، ثم وصل العطاء إلى ذروته بانتخابه في نوفمبر 2004 رئيساً للدولة خلفاً لمؤسسها العظيم الشيخ زايد، حيث واصل مسيرتَه بكل اقتدار، وأضاف لها الإنجاز السياسي المتميز المتمثل في تطوير مؤسسات الاتحاد بعد سنتين فحسب على توليه مسؤولية القيادة، وذلك في عام 2006 بإطلاق المرحلة الأولى من برنامج التمكين، والذي تم بموجبه تعديل آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي على نحو يجمع بين الانتخاب والتعيين بحيث يُنْتَخَب نصف أعضائه مباشرة من الشعب.
ويُضاف إلى سجل إنجازاته السياسية الكبيرة انتهاج سياسة خارجية فاعلة ومتوازنة أفضت إلى دعم دور الإمارات عربياً وإقليمياً وعالمياً. وفي هذا السياق يشار بصفة خاصة لزياراته لدول آسيا الوسطى لتوطيد العلاقة معها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. وكمصري عربي لا يمكنني في هذه المناسبة الحزينة إلا أن أذكر بكل الحب موقف الراحل الكريم من حرب أكتوبر حيث تفاجأ المقاتلون المصريون على الجبهة بوجوده بينهم، وما زالت صوره معهم شاهدةً على الدعم المعنوي الهائل الذي مثَّلته زيارتُه لهم، كذلك لا ينسى المصريون دعمَ الإمارات لمصر في السنوات الصعبة التي أعقبت أحداث يناير2011. رحم الله الراحل الكريم وجزاه خير الجزاء عن صنيعه لوطنه وأمته. ولا يخالج محبو الإمارات أدنى شك في أن مسيرةَ هذه الدولة الفتية ممتدة بفضل أبنائها المخلصين والأسس الراسخة التي بُنيت عليها.


*أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة