عندما رحل المغفورُ له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في نوفمبر 2004، بعد أن أكمل مهمته في تأسيس دولةٍ قادرةٍ على الأخذ بأسباب التقدم، كانت الثقةُ كاملةً آنذاك في أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد سيواصلُ المسيرة وينقلُ هذه الدولة إلى مرحلةٍ جديدة. كان العالمُ عموماً، والعربُ خصوصاً، يعرفون أن أبناء الأب المؤسس يستطيعون الحفاظ على البناء السامق الذي شُيد وتطويره ونقله من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، بعد أن أُرسيت الأسسُ اللازمةُ لانطلاقٍ أسرعٍ وأشمل، وتحقيق طفراتٍ في الاقتصاد والاجتماع والعلم والمعرفة والتكنولوجيا.
ولم تمض سنواتُ حتى بدأت تجلياتُ تلك الانطلاقة التي كانت جديدةً في حينها، وحفلت تقاريرُ المؤسسات الدولية المعتبرة بما يؤكدُ ازدياد إنجازات دولة الإمارات في مختلف المجالات، وصار طبيعيًا أن تحتل أحد المراكز الأكثر تقدماً في التصنيف العالمي لأداء الدول في هذا الحقل أو ذاك.
الراحلُ الكريمُ، المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الذي لبى نداء ربه قبل ساعاتٍ، حمل الأمانة فأداها بأفضل ما يكون، بالتعاون مع إخوته وغيرهم من المسؤولين في دولةٍ كان التفوقُ حليفها منذ تأسيسها، بدءاً من تجربتها الاتحادية التي كان نجاحُها واستمرارُها استثناءً فيما فشلت محاولاتُ عربيةُ أخرى قبلها وبعدها، وليس انتهاءً بارتياد الفضاء الخارجي وكشف بعض خباياه. وليس هذا إلا واحداً من إنجازاتٍ كبرى تحققت في عهد الراحل الكبير الشيخ خليفة بن زايد، رحمه الله، الذي جمع بين تراثٍ عريقٍ بقيمه السامية وأخلاقه النبيلة وأنماط حياته الأصيلة، وبين تعليمٍ وخبرةٍ عميقةٍ اكتسبها منذ نشأته في كنف من يُطلقُ عليه حقاً وصدقاً حكيمُ العرب، وملازمته له.
عمل من اليوم الأول لولايته على تطوير البناء الذي شُيد بالمثابرة والحكمة، وتحديثه، وإعادة صياغة ما كان ضرورياً لمواكبة تحولاتٍ سريعةٍ غير مسبوقةٍ عبر تاريخ البشرية، حتى صارت دولة الإمارات قبلةً للمستثمرين والعاملين من كل الجنسيات تقريباً، بحيث بات حقيقياً وليس مجازاً القولُ إن العالم كله موجودُ فيها، بفضل الانجازات التي حققتها، وتُحققُها. وكان الإنجازُ الأكبرُ هو تحويل ُ هذا البناء إلى نموذجٍ ملهمٍ بمكوناته الداخلية وأدواره الخارجية على حدٍ سواء.
وها هو المغفور له الشيخ خليفة بن زايد يرحلُ في سلامٍ مطمئناً إلى أن الأمانة التي استلمها غدت في أيدٍ أمينةٍ قادرةٍ على مواصلة الإنجازات والارتقاء بها. فسلامُ لروحه الطاهرة، وعزاءُ لدولة الإمارات المعطاء وشعبها الكريم.

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية