لم تفقد دولة الإمارات وحدها قائدَها المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رحمه الله، وإنما فقدته الأمتان العربية والإسلامية، كما فقدته شعوب وأمم الإنسانية ككل. لقد كان يد الخير التي امتدت من والده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى كل أصقاع الأرض عبر المؤسسات الخيرية الإنسانية العالمية. لقد كان الأمين على مبادئ وقيم زايد الخير، وأول متخرج في تلك المدرسة السامية التي جسدتها مسيرة الشيخ زايد ممتدةً إلى جذور القيم العربية الإسلامية، واتلي رسَّخ مكارم الأخلاق فيها رسول المحبة والسلام والعدل والإحسان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. في هذه المدرسة العريقة السامية نشأ الشيخ خليفة، وباشر القيادةَ والإدارة وتحمل المسؤولية في عهد أبيه، وكان من أرقى ما تعلمه وصار سمة شخصيته هو الانغماس في هموم الناس، والصعود بهم إلى مجتمع ينعم بالتقدم في ميادين التعليم والبنيان المتين والخدمات الرحبة وامتلاك القوة لصناعة المستقبل، والرخاء الاجتماعي، وكان يفيض بالخير على المحتاجين في العالم كله.
لقد شملت عناية «مؤسسة خليفة للأعمال الإنسانية» أكثر من مائة دولة في العالم، بعد أن وطد هذا الحضور البهي لدولة الإمارات عبر مواقع ريادية شغلها في مطلع شبابه وشباب الدولة الناشئة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، بعد أن التحمت أذرعها في اتحاد بات هو الوحيد الناجح حين تعثرت كل محاولات الاتحاد الأخرى في العالم العربي.
لقد حققت دولة الإمارات قفزةً نوعيةً في موقعها بين الدول الداعمة للشعوب في عهد الشيخ خليفة حتى وصلت إلى المركز الأول دولياً، حسب تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وعلى الصعيد السياسي والأخلاقي أطلق الشيخ خليفة رؤية التسامح على صعيد دولي، داعياً لحل كل المشكلات العالمية عبر الحوار، معززاً مفاهيم التسامح الإسلامية. وكانت مسيرته في الميدان السياسي العربي قائمةً على نبذ الخلافات، وتمتين التقارب، وفي الوضع الخليجي كان صمام أمان وحكمة في الإصلاح في مجلس التعاون الخليجي، وكان حريصاً على وحدة الصف العربي، بعيداً عن الصراعات التنافسية والأيديولوجية والمصلحية التي شغلت كثيراً من زعماء العالم.
ولقد أتيح لي من خلال عملي سفيراً لدى دولة الإمارات أن أتعرف عن قرب على شخصية المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، فكان أشد ما لفت اهتمامي في سماته وسجاياه، تواضع عريق وأريحية أصيلة، وذكاء لماح، وإصغاء لمحدثيه، وحرصٌ شديد على القيم النبيلة.
وإذ نعزي شعبنا الأصيل في دولة الإمارات وإخوة فقيد الأمة الكبير وحكام الإمارات وشيوخها الكرام، فإننا واثقون بأن ما أسسه الشيخ زايد والشيخ خليفة سيبقى إرثاً ضخماً لأمتنا، وستتابع الأجيال القادمة هذه المسيرة المباركةَ، وتنهل من ذات القيم والأخلاق السامية، وستبقى شعوبنا العربية والإسلامية وفية لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وزير الثقافة السوري السابق