حتى وقت قريب، كان الخيار الأول في علاج التهابات المفاصل، هو مسكنات الألم، مثل الباراسيتامول، أو ربما مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، إن لم يجد الأول نفعاً. وحتى يومنا هذا، لا يوجد عقار قادر على علاج أساس الاختلال التشريحي المسبب للمرض، وتحقيق الشفاء التام منه. كما تضمنت التوصيات الطبية إدخال تغيرات في نمط الحياة، مثل خفض الوزن، وممارسة النشاط البدني والرياضة، مع إدخال بعض التعديلات على النظام الغذائي، وعلى كيفية أداء الشخص وظيفتَه ومهامَّه اليومية.

إلا أنه مؤخراً، وحسب التوصيات الصادرة عن المعهد الوطني للتميز في الرعاية الصحية (National Institute for Health and Care Excellence) في بريطانيا، والتي يوجد بها 7.4 مليون مريض بالتهابات المفاصل، أصبح الخط الأول في العلاج، بل حجر الزاوية في الحقيقة، هو ممارسة الرياضة والنشاط البدني، حتى ولو تسبب ذلك في زيادة الآلام في البداية، مع تجنب مسكنات الآلام القوية، مثل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، لما لها من آثار جانبية سلبية. وأوضحت هذه التوصيات أيضاً، أنه لا حاجة لإجراء أشعة لتأكيد التشخيص، كما أن الممارسة المعروفة بغسيل المفصل ليست ذات فائدة تذكر. والتهابات المفاصل، أو بالتحديد التهاب المفاصل التحللي أو التنكسي (Osteoarthritis)، لتفرقته عن باقي الأنواع، هو عبارة عن تلف غير قابل للإصلاح، يصيب الأنسجة الغضروفية داخل المفصل، وهي الأنسجة التي تعمل كوسادة لحماية العظام من خلال تقليل الاحتكاك بين أجزاء المفصل.

ويؤدي تآكل هذه الطبقة الواقية بسبب المرض إلى احتكاك الأنسجة العظمية، وبالتالي التهاب المفصل، والشعور بالآلام. ورغم أنه يمكن لأي مفصل في الجسم التعرضَ لتلف في النسيج الغضروفي، إلا أن أكثر المفاصل تعرضاً للإصابة بهذه الحالة، هما مفصلي الركبة والفخذ، لكونهما أكثر المفاصل تحملاً لوزن الإنسان. وحالياً يعاني حوالي 250 مليون شخص حول العالم من التهاب مفصل الركبة، حسب إحصائيات عام 2010، وهو ما يعادل 3.6% من سكان العالم، كما يعاني قرابة 60 مليون آخرين من التهاب مفصل الفخذ، أو 0.85% من أفراد الجنس البشري. هذا الانتشار الهائل لالتهابات المفاصل، يتسبب في درجات من الإعاقة تتراوح بين متوسطة وشديدة، لأكثر من 50 مليون شخص، مما يجعل التهابات مفصلَيْ الركبة والفخذ تحتل المرتبةَ الحاديةَ عشر على قائمة الأمراض التي تتسبب في أكبر نسبة من الإعاقات بين بني البشر.

وبخلاف الثمن الإنساني، تحمل التهابات المفاصل في طياتها ثمناً اقتصادياً باهظاً، حيث يقدر مثلا أنه في الولايات المتحدة وحدها، تسببت التهابات المفاصل في دخول وحجز قرابة المليون شخص خلال عام 2011، وبتكلفة رعاية صحية إجمالية بلغت 15 مليار دولار، ما جعل هذه الحالات تحتل المرتبة الثانية في مقدار التكلفة بالنسبة لشركات التأمين، ونظام الرعاية الصحي الحكومي، وللأفراد أيضاً.

*كاتب متخصص في القضايا الصحية والعلمية