يصعبُ تصور أن تنتهي الحربُ في أوكرانيا من خلال مفاوضاتٍ بين موسكو وكييف. فقد وصلت هذه المفاوضاتُ إلى طريق مسدود حتى فيما يتعلقُ بمسائل ثانوية. أما القضيةُ الجوهرية الوحيدة التي تطرَّق الطرفان إليها، وهي حيادُ أوكرانيا، فيتعذرُ التوصلُ إلى اتفاقٍ بشأنها بدون توسيع نطاق المفاوضات من حيث أطرافها وقضاياها على حدٍ سواء. وهذا ما تتطلعُ إليه روسيا التي تبقى مشاكلُها مع أوكرانيا جزءاً صغيراً من استراتيجيتها الراهنة. فلم تطلق روسيا عمليتها العسكرية الراهنة لمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو» وتحييدها فقط. وإذا قررت فنلندا والسويد الانضمام إلى الحلف فعلاً، ستقلُ أهمية حياد أوكرانيا بالنسبة لروسيا.
ومازال هدفُ روسيا الأكبرُ هو الحصولُ على الضمانات الأمنية التي طالبت بها في ديسمبر الماضي، ولم يتعامل «الناتو» وواشنطن معها بجدية، ولا أبدَيَا استعداداً للتفاوض بشأنها. والحالُ أن ضماناتٍ تقدمُها واشنطن و«الناتو» هي ما سعت إليه موسكو، وشنت الحربَ عندما استهان الطرفان بها. وقد حددت موسكو هذه الضمانات في مسودتي اتفاقيتين ساءَها الردُ الذي تلقتهُ عليهما. والمسودتان متقاربتان في المحتوى، لكن مسودة الاتفاقية مع «الناتو» أشمل. وهي منشورةٌ باللغة الإنجليزية في موقع وزارة الخارجية الروسية يوم 17 ديسمبر 2021. وتتضمنُ هذه المسودةُ مقدمةً وتسع موادٍ فحواها إجراءُ تغييرٍ جوهريٍ في نظام الأمن في شرق أوروبا، وتقييد دور حلف «الناتو» في الدول التي انضمت إليه اعتباراً من 27 مايو 1997. وقد ذُكرت أوكرانيا فيها مرتين فقط، في المادتين 6 و7، في سياقٍ أوسع نطاقاً يتصلُ بالمسألة الأساسية التي تقلقُ موسكو، وهي تمددُ «الناتو» في شرق أوروبا بشكل مستمر منذ عام 1997، على نحو ترى أنه يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولهذا تريدُ التزاماً موثقاً من جانب «الناتو»، وكذلك الولايات المتحدة، بوقف هذا التوسع، والامتناع عن نشر قواتٍ أو أسلحةٍ جديدةٍ في أراضي الدول التي تمدد فيها الحلفُ خلال ربع القرن الأخير.
وليس ممكنًا، بالتأكيد، بحثُ هذه الضمانات في مفاوضاتٍ مع أوكرانيا. ولهذا يبقى إنهاءُ الحرب رهناً باستعداد «الناتو» وواشنطن للتفاوض مع موسكو، وتقديم تنازلٍ ما يتيحُ التوصل إلى حلٍ وسطٍ بشأن تلك المطالب، بحيث يلتقي المفاوضون في منتصف الطريق. 
أما إذا بقيت مواقفُ واشنطن و«الناتو» على حالها، فستستمرُ الحربُ إلى أن تتمكن روسيا من السيطرة على المناطق التي تركزُ عليها الآن في الشرق والجنوب، أو ما تستطيعُه منها. وليس واضحاً بعد هل ستتوقفُ عند هذا الحد، أم سيكونُ في إمكانها أن تجرب التقدم شمالاً مرة أخرى. وحتى إذا اكتفت مؤقتاً بالمناطق التي ستُحكمُ سيطرتَها عليها، قد لا تنتهي الحرب، بل ربما يتغيرُ طابعُها من حربٍ نظاميةٍ إلى حرب عصاباتٍ في بعض هذه المناطق. ويعني هذا استمرار التوتر، وبقاء خطر مواجهةٍ مباشرةٍ بين روسيا و«الناتو» قائماً.

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية