برز مجال الاقتصاد السياسي لتركيز الانتباه على القضايا السياسية التي تلعب فيها العوامل الاقتصادية دوراً واضحاً قد يصل إلى أن تكون بمثابة القوى المحركة للسلوك السياسي، سواء الداخلي أو الخارجي. والأمثلة في هذا الصدد عديدة. وقد فسر لينين مثلاً الحربَ العالميةَ الأولى بأنها كانت حرباً لإعادة توزيع المستعمرات بعد أن شُغِلَت كل الأراضي في كوكبنا بالمستعمرات، كما كان اكتشاف النفط في منطقة الشرق الأوسط دافعاً لاحتدام التنافس الدولي على المنطقة إما للسيطرة على أكبر عدد ممكن من بلدانها أو على الأقل اكتساب النفوذ فيها وصولا للإطاحة بنظم لا تتسق سياساتها مع المصالح الدولية، كما حدث مع حكومة مصدق في إيران مطلع خمسينيات القرن الماضي بعد أن قام بتأميم النفط. كذلك بدأ النفط يتحول من موضوع للتنافس الدولي إلى سلاح للاستخدام، كما حدث في حرب أكتوبر 1973، وأدى ذلك إلى اعتبار العرب -وفقاً لتقرير أحد المعاهد الاستراتيجية رفيعة السمعة- قوةً عالميةً سادسة.
وبرزت الطاقة كمتغير فاعل في الصراع العالمي الدائر حالياً على الأرض الأوكرانية، لكن على نحو معقد يستحق إمعان النظر؛ فمن المعروف أن روسيا تحتل مكانة عالمية كمصدر للطاقة، وتعتمد على عائدات تصدير الطاقة لتمويل معظم أنشطتها، إذ يمثل قطاع النفط والغاز حوالي 16٪‏ من الناتج المحلي الإجمالي، ويزود الميزانية الفيدرالية بأكثر من نصف عائداتها ويمثل أكثر من 70٪‏ من إجمالي صادرات البلاد. وهكذا تُعد روسيا قوةً عظمى في مجال الطاقة، حيث تمتلك أكبر احتياطي غاز طبيعي مؤكد عالمياً، وهي أكبر مُصَدر للغاز الطبيعي، كما أنها ثاني أكبر مُصَدر للنفط.
وعندما بدأت العملية العسكرية الروسية الحالية في أوكرانيا كان السلاح الأساسي للتحالف الغربي لمواجهة روسيا هو سلاح العقوبات طالما أن التدخل العسكري المباشر سوف يفضي لحرب عالمية لا تبقي غرباً ولا شرقاً. وهكذا فرض التحالف الغربي على روسيا سلسلة من العقوبات يعتبرها البعض هي الأوسعُ نطاقاً منذ بدأ استخدام هذا السلاح. واللافت أنها لم تقف عند حد العقوبات الاقتصادية، وإنما امتدت لتشمل المجالات الدبلوماسية والثقافية والرياضية. وكان الرهان الغربي أن تؤدي هذه العقوبات لشل القدرة الروسية على الاستمرار في تمويل الحرب. غير أن المكانة الروسية في قطاع الطاقة بقيت حجر عثرة أمام تحقيق هذا الهدف، فقد توقع خبراء أن تصل إيرادات روسيا من صادرات النفط والغاز خلال عام 2022 إلى 321 مليار دولار بزيادة الثلث مقارنة بالعام الماضي، وأن تحقق روسيا فائضاً في ميزان الحساب الجاري بحوالي240 مليار دولار بسبب ارتفاع الأسعار. ولذلك امتد التفكير الأميركي إلى توسيع العقوبات لتشمل فرض حظر على الصادرات الروسية من النفط والغاز. لكن المعضلةَ تمثلت في الدرجة العالية لاعتماد حلفائها الأوروبيين على النفط والغاز الروسيين، فروسيا تزودهم بحوالي 40٪‏ من احتياجاتهم من الغاز، وهي مورد النفط الرئيسي لهم بالإضافة إلى أن بعض الدول الأوروبية يكاد اعتمادها أن يكون حصرياً على الغاز الروسي، ولذا حدث انقسام أوروبي حول مسألة حظر استيراد الطاقة الروسية، إذ رفضتها المجر وتحفَّظ عليها العديدُ من الدول الأوروبية الأخرى، على الأقل من منظور توقيت الحظر بمعنى عدم تطبيقه إلا بعد توفير البدائل الآمنة. والواقع أن توفيرها صعب في الأمد القصير وربما المتوسط، ناهيك عن أنها قد تكون أكثر تكلفةً بكثير، مما يرفع التضخم المتزايد أصلا في دول العقوبات. وبالتالي فإن ما يحدث الآن هو لعبة «مَن يصرخ أولاً»: هل هو روسيا تحت وطأة تكلفة الحرب وتأثير العقوبات؟ أم الولايات المتحدة وأوروبا بفعل الأعباء المتزايدة لدعم أوكرانيا ولاجئيها ولهيب التضخم الذي يحيل حياة المواطن الأوروبي العادي إلى جحيم؟


أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة