لا تزال الأحزاب اللبنانية تعيش حالة تناحر مع اقتراب موعد الانتخابات، غير متّعظة مما حدث في لبنان خلال العامين الأخيرين، ومدى الشحن الطائفي والمذهبي التي وصل إليها البلد المتهالك هو وأهله. حتى يوم الأحد القادم - 15 مايو، المرشحون سيحتلون جميع المشاهد في لبنان، والشحن الطائفي - الحزبي مستمر على أشدّه حتى ذلك اليوم على الرغم من الغضب الشعبي في الشارع اللبناني عامة.
مائة لائحة انتخابية تضم ألف مرشح سيخوضون معركة الانتخابات التي يعلق الجميع عليها أهمية قصوى. وقد تكون تلك الانتخابات فرصة جديدة تترجم آمال اللبنانيين الذين فقدوا بأغلبيتهم ثقتهم بالأحزاب والسياسيين الذين يسيطرون على المشهد السياسي.
ليس من السهل على اللبنانيين تقبّل أن يتحول بلدهم من «سويسرا الشرق» إلى دولة فاشلة، وهو أمر محسوم إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه اليوم، ومسألة يدركها المجتمع الدولي الذي يدفع باتجاه تغيير الأوضاع في بلد كل ما فيه ينذر بدخوله في نفق مظلم، وخصوصاً بعد تسريب خبر عن إعلان إفلاسه، إلى جانب عدم قدرة مصارفه على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المودعين الذين يعانون أيضاً من شح مواد مهمة كالخبز والبنزين والسلع الغذائية، في ظل هبوط حاد بقيمة الليرة اللبنانية التي باتت واحدة من العملات الأسوأ في هذا العام مع فقدانها نحو 90 بالمئة من قيمتها الشرائية، وهو ما أسهم في تآكل رواتب الموظفين، وارتفاع نسبة الفقر، وتنامي الشعور بالإحباط لدى قطاع عريض من اللبنانيين الذين أصبحوا يعبرون بطرق شتى عن غضبهم لأن إرادتهم مختطفة، ويتم استغلالهم بصراعات سياسييهم.
الوضع مأساوي في لبنان ولا قدرة لأحد فيه على الصمود في الأوضاع الحالية، حيث الصورة قاتمة ومقلقة وتشي بأن ذلك البلد الشقيق الذي يعيش ضائقة لا مثيل لها بين البلدان العربية، وشعبه لم يعد قادراً على تحمّل تبعات ما يحدث، مع خسارة أكثر من 50 ألف شخص أعمالهم في الفترة الأخيرة، لينضمّوا إلى صفوف نصف مليون عاطل عن العمل، وليصل الفقر إلى مستويات مرتفعة تزيد عن 60%، والسبب بالدرجة الأولى في ذلك هو الطبقة السياسية -الطائفية التي أحكمت خناقها على مقدرات البلد منذ أكثر من ثلاثة عقود، وعجزت عن إيجاد حلول لمشكلات باتت مزمنة.
اليوم يقف الشعب اللبناني حائراً عند مفترق طرق، وهو معلق بين أحلامه وكوابيس يعيشها يومياً، ويحاول الهروب من مصير مخيف نحو طريق تنجيه من مصير سيئ يهدد مستقبل كل أجياله. إن الانهيار الذي تسببت به الطبقة السياسية عرّض لبنان كله لخصومة مع بيئته العربية، كما لم تعد علاقاته مع المجتمع الدولي بأفضل حالاتها، ومع ذلك تحاول دول الخليج العربي اليوم وأكثر من أي وقت مضى تقديم العون للبنان ولشعبه، متجاوزة الإساءات التي تعرضت إليها من بعض سياسييه، على أمل أن يلتزم لبنان هذه المرة بما تعهد به من احترام لها واعتراف بدورها الداعم طوال عقود. ومنطقة الخليج تجدد التزامها بمساعدته ليبقى عربي الهوى واللسان.
لبنان سيعود كما كان عليه قبل الحرب الأهلية عنواناً للفكر والثقافة والأدب والسياسة والنهضة، وإن تطلب ذلك سنوات كثيرة، ذلك أن إخراجه من أزماته المتراكمة يحتاج إلى زمن حتى يبرأ منها، لكن إنْ لم يغير السياسيون نهجهم فلن يتقدم البلد، وسيبقى رهن الانقسامات الطائفية على حساب لبنان الوطن والشعب بكافة شرائحه، ولهذا ليس أمامهم سوى وضع مصلحة الدولة والشعب في المقدمة، فلبنان وشعبه هم الأبقى.