مرت مناطق العالم العربي بعدة مراحل وتقلبات وتحولات، فمنها ما تعرض للاحتلال ومنها ما توسَّع، ومنها ما تم تقسيمه، ومنها ما أفل نجمه حسب استراتيجيات الدول المتنفذة خلال حقب الاستعمار وعهوده الماضية. حدث ذلك قبل الإسلام وبعده، وظل يتكرر حتى تحررت البلدان العربية واستقلت وتبلورت شخصية كل منها وارتسمت حدوده وثبتت خرائطه واستقرت كياناته وبدأت تحكمه عوائل محترمة ومحل تقدير كبير من مجتمعاتها العربية الأصيلة، فتطورت هذه البلدان شيئاً فشيئاً باطراد. وبعض هذه البلدان رزقها الله باكتشاف النفط، فنمت وازدهرت واستغلت ثرواتها النفطية لصالح شعوبها ولدفع التطور والنمو فيها خطوات عريضة نحو الأمام. ومنها من استفادت من الطبيعة ومواردها المحلية الأخرى في البحار والأنهار والأراضي الصالحة للزراعة والاستفادة منها في وجوه استثمار أخرى. 

وقبل استقرار هذه الدول واستقلالها، كانت هناك شخصيات دينية وفكرية وأدبية، مؤثرة وفاعلة، تجوب المنطقة وتتجول فيها، وكانت المناطق العربية عبارة عن أقاليم وسواحل وصحاري، فيقال مثلاً الجزيرة العربية أو السواحل العربية، كما يقال الخليج والشام والهلال الخصيب. لكن ظلت تلك الشخصيات تحمل أسماء شهرتها وليس هوية بلدانها، وربما كان بعض هذه الشخصيات أشهر من اسم بلدته أو مسقط رأسه، كالصحابة والعلماء والمفكرين وبعض الشخصيات الأخرى التي برزت ونبغت في مجالاتها.

ومن ذلك نستطيع التساؤل: هل بإمكاننا الآن القول بأن الحجاج بن يوسف الثقفي، المولود في الطائف عام 40 للهجرة، سعودي؟ وذلك فقط لأنه أتى من الحجاز (خاصة المدينة المنورة) وحكم العراق؟ وهل بالإمكان أن نقول بأن الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، عراقي؟ وذلك فقط لأنه ولد في الكوفة عام 303 للهجرة! وهكذا دواليك!
العديد من الأنبياء والصحابة والتابعين والأئمة الصالحين، وسواهم من الملوك والأمراء وأصحاب الشأن العالي، ممن تفخر بهم الأمة العربية والإسلامية، ولدوا ووُجدوا في المنطقة العربية قبل نشأة الدول فيها. ومع ذلك فثمة مَن يحاول إضافةَ بعض الأسماء الخالدة كي ينسبها إلى هويته الوطنية أو الجنسية التي يحملها، وهذا ما قد لا يتطابق في كثير من الأحيان مع الواقع العربي تاريخياً كما درسناه وعرفناه من الكتب. 

لكن على من يبحث عن أسماء كبيرة لكي يفاخر ويباهي بها وبإنجازاتها، أن يقدم شيئاً لوطنه وأمته يستحق الفخر، لكي تكون له بصمة واضحة في جيله وعصره، وعدم اجترار المنجزات السابقة وإسقاطها على واقع الحال الراهن. إن هناك مَن أصبح يتذكر الماضي ويتهرب من الحاضر ويخشى المستقبل، وذلك مع تراكم الأزمات المزمنة وإخفاق المشاريع العربية التي تبدد معظمها، فكان البديل التأسي بالماضي والبكاء على أطلاله.
وهنا لا بد من وقفة تأملية تعيد للمشهد الحضاري العربي رشدَه عبر ربط الماضي بالحاضر عن طريق العمل، لا القول، والفعل من أجل المستقبل واستشرافه، لا التذكر من أجل أن تعيد الأمة مجدَها وتكرره، فالتاريخ لا يتكرر، لكنه قد يكون ملهماً حين تتوفر الهمم العالية المهيأة للاستلهام منه. 

كاتب سعودي