في أعقاب بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فرضت الولاياتُ المتحدة ومعظمُ دول التحالف الغربي عقوباتٍ واسعةَ النطاق وُصفت بأنها أشمل عقوبات فُرضت على دولة في الخبرة المعاصرة للعلاقات الدولية، وذلك بغرض الضغط على روسيا حتى تتراجع عن سلوكها الراهن. وهو ما يدفع إلى النظر في جدوى العقوبات وفاعليتها في تغيير السلوك الخارجي. وقد شهد هذا الموضوع جدلاً واسعاً لعدة اعتبارات، لعل أهمها اثنان، أولهما ما ثبت في عديد من الحالات من أنها لم تكن بالفاعلية المطلوبة في تغيير السلوك المرفوض من فارضي العقوبات، وثانيهما أن الشعوب (وليس صانعو القرارات) هي التي تتحمل تبعات العقوبات التي قد يكون أثرها الأساسي هو إطالة أمد الصراع وليس حسمه. فكأنها في التحليل الأخير تعاقب من لا يستحق العقاب. ولا يقلل من هذا أن بعض العقوبات يُفرض على القيادات المسؤولة عن صنع أو تنفيذ قرارات بعينها. والواقع أن الخبرة المعاصرة تشير إلى أن عدداً من الدول الصغيرة والمتوسطة قد خضع لعقوبات فرضت الولاياتُ المتحدة معظمَها لخلافها مع النظم الحاكمة في هذه الدول، كما حدث بالنسبة لكوبا منذ تبلور التوجه الشيوعي لثورتها عام 1959، وفنزويلا التي بدأ الخلاف الأميركي معها في عهد رئيسها السابق تشافيز، ووصل مع رئيسها الحالي إلى درجة الاعتراف برئيس بديل له، وإيران التي نالت وبالذات في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نصيباً وافياً من العقوبات بسبب برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي. وفي كل الأحوال السابقة بقيت النظم التي فُرِضَت عليها العقوبات ولم تغير سياساتِها حتى تندر عدد من المحللين بنموذج كوبا التي مر عليها 13 رئيساً أميركياً، أربعة منهم أمضوا ولايتين في الحكم، دون أن يتغير فيها شيء. وليس معنى هذا أن العقوبات غير مؤثرة، ولكن العبرة بتغيير النظام المُعاقَب أو تغيير سلوكه. بل إن روسيا نفسها فُرِضت عليها عقوبات واسعة عقب ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014 فلم تردعها هذه العقوبات عن عمليتها العسكرية الراهنة.
وثمة استثناء يرد على التحليل السابق وهو حالة النظام العنصري في جنوب أفريقيا، فقد اعتبرت الأمم المتحدة التمييز العنصري جريمةً ضد الإنسانية في عام 1973. وفي عام 1976 فرض مجلس الأمن حظراً على توريد السلاح لجنوب أفريقيا عقب مذبحة سويتو التي قُتِل فيها أكثر من 500 من الأغلبية السوداء بيد شرطة النظام. وفي عام 1986 وافق الكونجرس الأميركي على فرض عقوبات اقتصادية موجعة على نظام جنوب أفريقيا. ومع مطلع التسعينيات بدأت العملية التاريخية لتصفية النظام العنصري، وفي عام 1993 وافق مجلس الأمن على رفع ما تبقى من عقوبات بعد اكتمال هذه التصفية. فهل تكون روسيا هي الاستثناء الثاني؟ الواقع أنه تصعب الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب لثلاثة أسباب، أولها أن جنوب أفريقيا كانت تشهد آنذاك ثورةً عارمةً ضد النظام من الأغلبية السوداء، بل إن بعض البيض كانوا قد بدؤوا يتعاطفون مع مطالبها بينما تشير المؤشرات إلى أنه على الرغم من وجود معارضة روسية داخلية للعملية العسكرية، فإنه لا يمكن مقارنتها بالثورة التحررية للأغلبية السوداء. والسبب الثاني أن البون شاسع بين إمكانات الدولة الروسية وإمكانات جنوب أفريقيا، مما يجعل الأولى أكثر قدرةً على تحمّل العقوبات بما لا يُقارن مع جنوب أفريقيا. والثالث أن فرض العقوبات في الحالة الجنوب أفريقية حظي بإجماع دولي، بينما يكفي في الحالة الراهنة أن الصين والهند ودول أخرى كثيرة مهمة لا تشارك في العقوبات. ولا يعني هذا طبعاً أن العقوبات ستكون معدومة الأثر، ولكن وصول تأثيرها إلى حد تغيير القيادة الروسية لسلوكها مستحيل، ما لم تشهد روسيا تطورات داخلية بالغة الخطورة.


أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة