تظهر الأزمة الأوكرانية مع تطورها إلى صراع مسلح ينذر بتداعيات خطيرة ليس فقط على الاستقرار في أوروبا، بل على العالم بأسره أيضاً، خاصة أن احتمال تحولها إلى حرب شاملة يبقى أمراً غير مستبعد.

وتظهر أهمية حل النزاعات بالطرق السلمية والتأكيد على أن الحرب يجب أن تكون «آخر حجة الملوك»، وهنا يبرز الحديث مجدداً عن دور الأمم المتحدة، التي طلب أمينها العام من الرئيس الروسي «باسم الإنسانية»، وقف الحرب!

إن النتائج الكارثية للحرب العالمية الثانية، سواء فيما يتعلق بالخسائر البشرية الفادحة التي خلفتها - حيث قُتل أكثر من 50 مليون إنسان - أو الدمار الهائل الذي أحدثته، كان لها دور أساسي في إدراك العالم لأهمية حل النزاعات بالطرق السلمية، ذلك أن الحرب لا تعني إلا القتل والدمار، وهذا لا يحتاج إلى أي براهين، فالشواهد عليه بارزة للعيان: من حرب فيتنام، إلى الحرب العراقية- الإيرانية، مروراً بغزو العراق، ومن ثم ما تشهده بعض الدول مثل سوريا واليمن وأثيوبيا، وغيرها من مناطق العالم الذي يُفتَرض أن يعيش الناس فيه بأمن وسلام، وأن يعمّروه، لا أن يدمروه ويخرّبوه.

وقد أحسنت دول العالم صُنعاً عندما أنشأت منظمة الأمم المتحدة لتكون المكان الذي تجتمع فيه الأسرة الدولية وتبحث عن التعاون الذي يحقق مصالح الشعوب، حيث تنص المادة الثالثة عشرة من الميثاق على «إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية»، والأهم بالطبع - وهو الذي لا يمكن تحقيق ما سبق بدونه - هو حل النزاعات بالطرق السلمية، كما نص على ذلك الفصل السادس، بل وكما هو متضمن في كل فصول الميثاق.

وهذا كله يؤكد أهمية الأمم المتحدة وما تعوله عليها شعوب العالم ليس في منع الحروب والنزاعات، فهذا أمر غير ممكن بالنظر إلى طبيعة العلاقات السائدة بين الدول والتي يحكمها للأسف «منطق» القوة والمصلحة، لا منطق الحق والعدل والتعاون، وإنما يؤكد أهمية الأمم المتحدة في حلها بالطرق السلمية.

وبعيداً عن الخوض في مسألة ما قامت به الأمم المتحدة وجهازها الرئيسي «مجلس الأمن الدولي» في منع تدهور الأوضاع في أوكرانيا قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه، كان من اللافت للنظر النداء الأخير الذي وجهه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يناشده فيه «من أعماق قلبه» بوقف الحرب «باسم الإنسانية». ورغم أن هذا يعكس حرص غوتيريش وشعوره بالحسرة لما وصلت إليه الأمور، فإنه في الحقيقة يلقي الضوء على المشكلة القديمة الجديدة والمتمثلة في مدى قدرة المنظمة على القيام بإحدى أهم مهامها، بل والدافع الرئيسي لتأسيسها، ألا وهي حفظ الأمن والسلم الدوليين والذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الحل السلمي للنزاعات.

هذا لا يعني تحميل الأمم المتحدة أو أمانتها العامة المسؤولية عن ضعف دورها أو عدم فاعليتها في هذا المجال، بل هو تأكيد على أن الدول التي تتكون منها هذه المنظمة، ولاسيما الكبرى منها، والتي شاءت الأقدار أن تكون هي من يمسك بزمام الأمور في أهم جهاز من أجهزة المنظمة، وهو مجلس الأمن الدولي، المنوط به حفظ الأمن والسلم الدوليين، بل ومنع العدوان- هذه الدول تتحمل كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية عن وضع حد للحروب التي لا نبالغ إذا قلنا إن معظمها إن لم يكن كلها عبثية بالفعل.

فالكثير من النزاعات كان يمكن تجنبها لو قام مجلس الأمن الدولي بدوره كما يجب، إذ لا يعقل أن تعرقل دولة واحدة مهما بلغت من القوة والنفوذ إرادة المجتمع الدولي بأكمله. ما يحدث في أوكرانيا وفي غيرها من مناطق العالم المشتعلة، يؤكد بالفعل أهمية حل النزاعات بالطرق السلمية، وضرورة أن يكون للأمم المتحدة دور فعال في هذا المجال، وهذا لا يبدو - من خلال التجارب السابقة - ممكناً ما لم يتم إعادة النظر في هياكل هذه المنظمة وطبيعة توزيع القوى داخلها بعدالة وبتمثيل حقيقي لكل دول وشعوب العالم، لا أن تبقى رهينة خيارات ومصالح 2.5% من أعضائها!

تريندز للبحوث والاستشارات