عند الحديث عن أوكرانيا لا بد أن تمتزج ملفات التاريخ مع الاقتصاد والأمن، فكل تلك الملفات تعبّر عن جزء من الأزمة المتصاعدة بين روسيا من جهة وأوكرانيا والغرب من جهة أخرى. لكن قبل التحدث عن الاقتصاد والأمن، لنتذكر تاريخ هذا البلد الذي كان يسبح في فلك الاتحاد السوفييتي السابق ويعد ضمن الجمهوريات القوية فيه، لكن مع تآكل الاتحاد قامت أوكرانيا بالانسحاب والاستقلال، ورغم ذلك لم تشكل أي قلق لروسيا، وربما تكون الثورة البرتقالية هي التي فاقمت الوضع بين البلدين بعد أن وضعت حداً للرئيس المدعوم من قبل روسيا والذي أزاحته الثورة باعتبار الانتخابات مزورة، فصعد رئيس موالٍ للغرب هو فيكتور يوشينكو.

ومنذ ذلك الوقت وأوكرانيا مصدر قلق لروسيا، والعلاقة بين الطرفين متأرجحة بين مد وجذر، فروسيا لا تريد لأوكرانيا أن ترتمي في حضن الغرب، لاعتقادها أن في ذلك تهديداً حقيقياً لعمق الأمن القومي الروسي، وهذا بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خط أحمر لا يمكن السماح بتخطيه أبداً.

المفارقة أن الجمهورية السوفييتية السابقة غادرت الاتحاد وهي تضم على أراضيها ثلث الأسلحة النووية السوفييتية، وكانت ثالث القوى النووية في العالم، لكنها فضلت أن تفكك أسلحتها النووية بدل أن تعمل على تفعيلها وتمكينها، فكان أن وقّعت مذكرة بودابست عام 1994 مع روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، لتنضم إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي، فيما حصلت على تعهد من هذه الدول بعدم استعمال السلاح لتهديد أمنها واستقلالها، وهذا جانب مهم من المعاهدة التي وقعت عليها آنذاك روسيا التي كانت متخوفةً من النووي الأوكراني كما باقي الدول الغربية، فيما طمعت أوكرانيا بأن تكون دولةً لها فضاء أوروبي وتطوي حقبة الماضي للأبد.

والسؤال الذي يمكن طرحه الآن يتصل بوضع أوكرانيا فيما لو لم تتخل عن أسلحتها النووية.. فهل كانت روسيا تجرأت على دولة نووية جارة؟ وهل كانت الدول الغربية جعلتها مسرحاً لتصفية حساباتها مع روسيا؟

يشير بعض المحللين العسكريين إلى أن أوكرانيا ارتكبت خطأً فادحاً تدفع ثمنه الآن. أوكرانيا التي خسرت شبه جزيرة القرم قد تخسر مناطق شاسعة في شرقها، خاصة في جمهورية دونيتسك ولوغانسك الشعبية، حيث يقدر عدد السكان من أصول روسية في أوكرانيا بأكثر من 3 ملايين شخص، أي نحو 8 في المئة من السكان البالغ عددهم 42 مليوناً، فيما تقول مصادر أخرى إن ذوي الأصول الروسية يتجاوزن هذه النسبة بكثير.

لكن بغض النظر عن هذا، فهناك روس يعيشون في أوكرانيا ويطالبون بالانفصال. وفي حال تصاعد الأزمة الحالية فهذا سيكون من مصلحة الانفصاليين، إذ يبدو أن الهدف الروسي ليس احتلال أوكرانيا، فهذا صعب للغاية، وإنما ضم المناطق الشرقية وإضعاف باقي أوكرانيا عبر إنهاكها عسكرياً واقتصادياً، والأهم منع انضمامها لحلف «الناتو»، وهذا لب القضية بالنسبة لروسيا.

فيما يؤكد الغرب حق أوكرانيا في الانضمام لحلفه ويلوّح بعقوبات قاسية في حال حدث الغزو الروسي.وهنا ننتقل إلى ملف الاقتصاد الحاضر في الأزمة، حيث -وفي حال التصعيد- سيتم استهداف الطاقة. فقد حذّر الرئيس الأميركي جو بايدن من عقوبات اقتصادية قاسية، ومن أن خط «نورد ستريم 2» لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا لن يعمل. وهنا يأتي الرد الروسي عبر ملف الطاقة أيضاً، حيث خفضت موسكو إمدادات الطاقة لأوروبا، مما أدى لقفزة في الأسعار، أي أن الأزمة لن تكون عسكرية فقط بل سيكون الاقتصاد جزءاً أساسياً من اللعبة بين الغرب وروسيا والتي ستكون أوكرانيا مسرحها.
     
* كاتب إماراتي