في أواخر يناير الماضي، بدأت مجموعةٌ من سائقي الشاحنات الكنديين ما أطلقوا عليه احتجاجات «قافلة الحرية» في العاصمة أوتاوا.

وقاد السائقون شاحناتهم الضخمة إلى وسط المدينة وعبر جسر «أمباسادور» الذي يربط مدينة وينزور في مقاطعة أونتاريو الكندية مع مدينة ديترويت بولاية ميشيجان الأميركية. وكان السبب الاسمي هو إظهار تحديهم للمطالب الكندية والأميركية الخاصة بإلزام السائقين بتلقي جرعات اللقاح الكاملة للتحصين من «كوفيد-19».

وهناك سبب آخر محتمل بقوة وهو تقويض حكومة جاستن ترودو من خلال التركيز على تدخل الحكومة في الحياة الخاصة للمواطنين. كان الأمل يحدو المتطرفين اليمينيين في أن تؤدي جهودُهم إلى سقوط حكومة ترودو.

وقد تَلقَّوا دعماً مالياً وخطابياً من بعض المعجبين بهم في الولايات المتحدة وحرَّكوا محاولاتٍ مماثلة للاحتجاجات في أنحاء من العالم. ونجحت في البداية جهود سائقي الشاحنات في خلق الفوضى في أوتاوا ووقف حركة المرور عبر المعابر الحدودية الرئيسية في غرب البلاد. وفي المدينة، أدى وابل لا يتوقف من أصوات أبواق الشاحنات إلى معاناة عدد كبير من المواطنين وصعوبة خلودهم إلى النوم.

وكان التأثير الاقتصادي أكثر خطورةً. وذكرت كريستيا فريدلاند، وزيرة المالية الكندية، أن إغلاق المعابر الحدودية يكلف البلاد 500 مليون دولار يومياً ويمثل خطراً على كل أنواع التجارة بما في ذلك صناعة السيارات في الولايات المتحدة وكندا معاً. وكان أحد أسباب جذب هذه الأحداث للاهتمام العالمي هو أن كندا لطالما اعتبرت واحدةً من أكثر البلدان أماناً والتزاماً بالقانون وسلمية في العالم، وهي لا ترتبط في الأذهان بالاضطرابات والاحتجاجات الجماهيرية.

لكن نظراً لأن السبب الأساسي لهذا الاحتجاج قد اشترك فيه عدد من الأشخاص الآخرين في جميع أنحاء العالم، بدا الاحتجاج لفترة قصيرة كأنه من النوع الذي سيتوسع نطاقُه. وقد حاول سائقو الشاحنات في فرنسا الانتقال إلى باريس لإثارة الفوضى، لكن الفرنسيين الذين يتمتعون بخبرة كبيرة في التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية، سرعان ما أوقفوا حدوث أي اضطرابات.

وفي الولايات المتحدة، شجع عضوان «جمهوريان» بارزان في مجلس الشيوخ، هما تيد كروز (من تكساس) وراند بول (من تينيسي)، سائقي الشاحنات واقترحوا أن يسير نظراؤهم الأميركيون على نهجهم. بل اقترح بول أن يتجهوا إلى لوس أنجليس لتعطيل بطولة «سوبربول» كرة القدم الأميركية، وهو الحدث الرياضي الأول في أميركا الذي أقيم في 13 فبراير دون وقوع حوادث.

وأخيراً، في 14 فبراير، بعد انتقادات لاذعة لضعف استجابته للأزمة، استعان رئيس الوزراء ترودو بقانون الطوارئ لأول مرة منذ سنه عام 1998. وكان حاكم أونتاريو قد أعلن قبل ثلاثة أيام حالة الطوارئ لإنهاء الاحتجاج. وحقق هذان الإجراءان، والمطالبات واسعة النطاق من الجمهور بإنهاء الأزمة، الأثرَ المنشودَ. وانتهت الاحتجاجات بشكل أساسي دون عنف ودون تدمير المركبات. لكن التداعيات الأوسع لما حدث في كندا يجب أن تكون جرس إنذار للجميع. لقد أظهرت جائحة «كوفيد-19» مدى تزايد هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الاضطرابات وخاصة سلاسل الإمداد الحيوية والضرورية للغاية للتجارة الحديثة

وأدى جنوح إحدى سفن الحاويات الضخمة في قناة السويس في مارس 2021 إلى تعطل حركة التجارة الحيوية لأكثر من عشرة أيام. وفي القرن الماضي، كان أمن إمدادات الطاقة يعتبر أولوية أمنية لكل من منتجي ومستهلكي النفط والغاز.

وما تزال هذه قضية مهمة، لكن يجب الآن إضافة عدد آخر من المنتجات إلى قائمة الأهداف ذات الأولوية التي تجب حمايتها. وتقدّم الهجمات الإلكترونية المختلفة التي تشنّها دول وجهات غير حكومية على أهداف اقتصادية في عدد من البلدان مثالا آخرَ على الاضطرابات التي قد تكون لها عواقب وخيمة للغاية على كل من الصناعة والاقتصاد وحياة الناس في كل مكان. وأظهرت تجربة سائقي الشاحنات الكندية هشاشة العالم أمام إمكانية التعرض للاضطرابات، لذا يتوجب أن يصبح التعامل مع هذه التهديدات من أولويات الأمن القومي لجميع البلدان.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست- واشنطن