لا يخفى أنَّ العامةَ يُلهمها المثال الدِّيني، فحسب ابن عقيل الحنبلي(ت: 513هج): «الأصلح لاعتقاد العوام الآي(البراهين)، لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك مِن قلوبهم، زالت الحِشمة، فتهافتهم في التَّشبيه أحبُ إلينا مِن إغراقهم في التَّنزيه»،(الذَّهبي، سير أعلام النُّبلاء). بهذا المعنى سارعت الجماعات الدِّينية إلى الأسماء والنصوص والأحداث في التأثير على الناس، حتى وإنْ كانت تلفيقاً علىَّ ما لفقه الأقدمون، فبعضهم يقوم بتعظيم الشُّهور والأيام، لخَلق مناسبات لاستدامة الوجود، وبالتالي مناسبات للاحتفاء بالعقيدة، وكم يكون ذلك خطراً على العقل الجمعي لإشغاله بالأوهام، خصوصاً إذا أشيع بأدوات جماعة لا تعي المسؤولية تجاه المجتمع، ولا قيمة الدولة، تعيش حيث يصل سلاحها.

أخذ الحوثيون، وهم «أنصار الله» باليمن تعميم الاحتفال بليلة أول جمعة، مِن شهر رجب، أحد الأشهر الحُرم الأربعة، والتي صادفت هذا العام في (4/2/2022)، على أنه اليوم الذي دخل فيه أهل اليمن الإسلام، بعد وصول علي بن أبي طالب(اغتيل: 40هج) إلى القبائل اليمنية، وسموه بالمناسبة الإيمانية، وبأنه رابع الأعياد الدِّينية عند أهل اليمن، هذا ما قاله إمام وخطيب جامع النزيلي بصنعاء: «ذكرى جمعة رجب رابع أعظم الأعياد، بعد عيدي الفطر والأضحى والمولد النَّبوي» (وكالة الأنباء اليمنية- سبأ 4/2/2022).

في هذا اليوم يُلقي عبد الملك الحوثي خطاباً، مؤكداً على «ترسيخ الهوية الإيمانيَّة للشعب اليمني»، يوم يجدد فيه أهل اليمن بيعتهم للإسلام، بمثابة البيعة السنوية لقائد الثورة. جعلت فخامة اللَّقب الشَّاب الحوثي مِن طراز قادة الثَّورات الكبرى، الذين صغرت مقابل عظمة طموحاتهم المقدسة الألقاب، فهو القائد وكفى! فأُقر «تعمييم موجهات خطاب قائد الثَّورة على مؤسسات الدَّولة والسُّلطة المحلية»، مع شعار محمل بالرّياء: «عين على القرآن وعين على الأحداث»!

لكنَّ هذا اليوم الذي جعله «الحوثيون» مقدساً، جاء ملفقاً مِن تاريخ ملفق، فسَريّة علي بن أبي طالب، وصلت اليمن في رمضان وليس رجب، مِن السَّنة العاشرة، وقيل أقل، فلا علاقة لهذه المناسبة بالعيد الذي ابتدعته الجماعة «الحوثيَّة»، كيوم جماهيري بالإسلام الذي تريده هي، وليس يريده أهل اليمن، وهم الشافعيون والإسماعيليون والزَّيديون!

جاء الاختراع «الحوثي» مِن مناسبة لم يقرها الفقهاء السُّنَّة ولا الشَّيعة، وهي ما عُرفت ب «صلاة الرَّغائب»، في ليلة الجمعة الأولى مِن رجب، على أنها ليلة مباركة، وردت عن الفقيه الإمامي رضي الدِّين علي بن موسى بن طاووس(ت: 664هج) في كتابه «إقبال الأعمال الحَسِنة»، والذي قال: «نقلته أنا مِن بعض كُتب أصحابنا»، ولم يذكر هؤلاء الأصحاب، فأخذها البعض عنه، وفق حديث نبوي نسبه لبعض الرُّواة، وقد جعله أبو الفرج بن الجوزي(ت: 597هج) من الموضوعات في كتابه «الموضوعات». فحسب ابن طاووس في هذا اليوم ينزل الملائكة إلى الأرض يطوفون حول الكعبة.

أستل الإعلام العقائدي «الحوثي» هذه الرواية، الملفقة، ليلفق عليها، الاحتفال بوصول سرية عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن في هذا اليوم، كغطاء شرعي لبث العقيدة «الحوثيَّة» الخارجة على الاعتدال الزّيدي المعروف. بعد محو الأيام الوطنيَّة الجامعة، لم يختص بذلك «الحوثيون» وحدهم بل كلُّ الجماعات العقائديَّة، تعمل على العبث والتَّلفيق، وما كان هذا اليوم العقائدي إلا «صلاة الرَّغائب»، وزيادة في التَّلفيق قالوا: «إنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرَّغائب»(إقبال الأعمال)!

* كاتب عراقي