تصنف منظمة الصحة العالمية تلوث الهواء، أنه طارئ صحي خطير (Major Public Health Emergency)، بناءً على البيانات والإحصائيات التي تظهر وفاة 7 ملايين شخص سنوياً بشكل مبكر، بسبب هذه القضية الصحية بالغة الأهمية.

وهو ما يضع تلوث الهواء مع التدخين في نفس المرتبة، وأيضاً مع الغذاء غير الصحي، كأحد أهم أسباب الوفيات المبكرة. وتتحمل شعوب ومجتمعات الدول متوسطة الدخل والفقيرة، العبء المرضي الأكبر لتلوث الهواء، سواء على الجانب الإنساني أو الجانب الاقتصادي، نتيجة الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة الأحفورية، كركيزة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي.

وحالياً، يستنشق ويتنفس 90% من أفراد الجنس البشري، وخصوصاً أولئك القاطنون للمدن، هواء لا يرقى إلى المستويات المعيارية للهواء النقي الصحي، أي الذي لا يتسبب في مشاكل صحية لمن يتنفسونه. ومما يزيد الموقف سوءاً، خطأ الاعتقاد السابق بأن استنشاق الهواء الملوث، تقتصر تبعاته على الجهاز التنفسي فقط.

وبخلاف أن الهواء الملوث يتسبب في أمراض عدة في الجهاز التنفسي، مثل سرطان الرئة، والالتهاب الرئوي الحاد، والانسداد الرئوي المزمن، تجد أيضاً الجزيئات السامة التي يحملها هذا الهواء طريقها إلى مجرى الدم، لتصل إلى القلب والشرايين، وتتسبب في الذبحة الصدرية، أو السكتة الدماغية، وأحياناً حتى ما تتسبب في اضطرابات وأمراض عصبية، أو ربما مشاكل في الجهاز التناسلي وفي القدرة على الإخصاب والإنجاب. ومؤخراً تراكمت الأدلة العلمية على قوة العلاقة بين التعرض للهواء الملوث، ولفترات طويلة، وبين فيروس كوفيد-19.

فبداية، كنتيجة لأن استنشاق هواء ملوث بشكل يومي، يضعف من جهاز المناعة ويقلل فعاليته، وهو ما يجعل الشخص أكثر عرضة للعدوى بالأمراض التنفسية على مختلف أنواعها.

كما أن المعروف والثابت أن التعرض للهواء الملوث لفترات طويلة، يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والرئتين، وداء السكري، واضطرابات العمليات الحيوية أو الأيضية داخل الجسم. وهي جميعها أمراض تزيد بشكل واضح من احتمالات تعرض المصابين بكوفيد-19 للمضاعفات الخطيرة للمرض، والوفاة بسببه. وكانت منظمة الصحة العالمية اتخذت قراراً نهاية سبتمبر الماضي، بخفض الحد الأقصى الآمن للملوثات الرئيسية، مثل أوكسيد النيتروجين.

والمقصود بالحد الأقصى الآمن، هو الحد الذي إذا ما كان مستوى التلوث أدنى منه، فلا خطر حينها على صحة الإنسان. وما قامت به منظمة الصحة العالمية هو خفض هذا الحد، بحيث أن مستويات التلوث التي كانت تعتبر سابقا آمنة، أصبحت غير مقبولة حالياً.

ويأتي هذا القرار، بعد تزايد الإدراك، وخصوصاً بين المتخصصين في مجال الصحة العامة والبيئة، بفداحة تلوث الهواء وتأثيرة على صحة أفراد الجنس البشري، وبدرجة أكبر بكثير مما كان يعتقد الجميع سابقاً.

* كاتب متخصص في الشؤون العلمية.