احتفى العالم قبل يومين باليوم الدولي للأخوَّة الإنسانية، وقد مضى على اعتماده عام واحد منذ أن اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحملت الأيام المنطوية من هذا العام الكثير من تفاقم الأزمات القائمة، والقضايا المستجدَّة والتحديات المشتركة التي يواجهها العالم، غير أن ما انطوى من العام لم يخلُ البتَّة من بوارق أملٍ كثيرة تُبرز رسوخ العزائم وجدّية المساعي لدى المجتمع الدولي لتنفيذ ما نادت به «وثيقة الأخوة الإنسانية»، تلك البذرة المباركة التي أنبَتَتْ هذا اليوم، كما لم يخلُ من استشرافٍ لآفاق لا تعرف الحدود، تتسّع لجهود الجميع من أجل عيشٍ آمنٍ ومستقرٍّ للإنسانية جمعاء.
فكثيرة هي مشاعر القلق البالغ بسبب الأعمال التي تدعو إلى الكراهية وتؤدي إلى تقويض روح التسامح واحترام التنوع، وخاصة في وقت يواجه فيه العالم الأزمة غير المسبوقة الناجمة عن جائحة كورونا، التي تتطلب اتخاذ تدابير عالمية تقوم على الوحدة والتضامن وتجديد التعاون، غير أن هذه المشاعر لم تقلّل من الإيمان بالحاجة الملحَّة للتعاون والتضامن الإنساني بين المجتمعات والدول لمواجهة كل ذلك، وتكثيف الجهود لإحداث أثر إيجابي في العالم عبر نماذج مُلهِمة للعمل الإنساني في العالم، اهتداءً بمضامين اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية، وتعزيزاً لقيم وثيقته، بما في ذلك التآلف والتعايش والتفاهم المتبادل، وإطلاق المبادرات التي تخدم كل البشر.
جميلٌ أن يُحتفى بهذا اليوم الدولي، كأحدث الأيام الدولية التي تهمّ البشرية جمعاء، ليس فقط لزيادة المنابر التي تمجّد محاسن مبادئه وفضائل قِيَمه، ولكن من أجل شحذ الهمم وإثارة العزائم، واستكشاف الآفاق، ورسم الخطط التي تقود إلى مبادرات ومشاريع، تخدم جميعها تلك المبادئ السامية والقيم الفُضلى، فتدعم تعزيز ثقافة الحوار بين أتباع الديانات والمعتقدات، وترسّخ مفاهيم التسامح واحترام التنوّع الإنساني، والعيش المشترك بين الأمم أصحاب الحضارات المغايرة.
وما من شك في أن اللحظة الراهنة من عمر البشرية، تتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تحرّكاً جماعياً، على مستوى الدول والمؤسسات، من أجل تعزيز ثقافة الأخوّة الإنسانية التي تساعد على حل كل ما يحتل أولوية على الأجندة الدولية ويشغل كل ضمير حيّ. كما تُملي هذه اللحظة على الأسرة الدولية تأسيس مؤسسات ومنابر حوارية مشتركة نشطة وفاعلة، ومبادرات من كلٍّ من الفاعلين الرسميين، والرموز الدينية المختلفة، ومؤسسات المجتمع المدني العالمي، وجامعات ومراكز فكر وإعلام وغيرهم، من أجل إتاحة الفرصة بين شباب العالم للتعارف، بعيداً عن الهواجس المتبادلة، أو الخوف غير المبرَّر.
ولم يكن مركز تريندز للبحوث والاستشارات بمنأى عن ذلك حين احتفى قبل أيام بالمناسبة، فدعا، بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، إلى ندوة اتَّسقت في مضامينها ومحاورها مع الدور العالمي المطلوب، التزاماً بضرورة الشروع في حوار عالمي نافع ومستدام، يدفع إلى تعزيز الحوارات المشتركة بين الأديان نفسها، وبين الهيئات والمؤسسات والجماعات، وإيماناً بالرسالة التنويرية التي تحملها مراكز الفكر والجامعات في تأصيل ثقافة التعايش السلمي وتعزيزها، وتأصيلاً للمفاهيم التي قامت عليها منظمات دولية، كما في الميثاق التأسيسي لليونسكو الذي يقول نصُّه «لما كانت الحروب تتولَّد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام».

*مركز تريندز للبحوث والاستشارات