ما تزال الاستعدادات العسكرية في أوروبا، وبالقرب من مناطق التماس المستهدفة من قبل قوات حلف «الناتو» وروسيا، تتصاعد بصورة كبيرة، مما قد يؤدي إلى الدخول في مواجهة شاملة، خاصة أن ضبط مناطق الحدود والحشد العسكري المتصاعد وتبديل المواقف والتوجهات مؤخراً قد يوشي باحتمال حدوث مواجهة ولو بالخطأ. وهنا ستكون تبعات ما يجري خطيرةً في إطار لعبة التوازنات الكبرى التي تطلقها الدول الرئيسة في الصراع. وقد بدأت الولايات المتحدة في حشد 8500 جندي أميركي ووضعهم في حالة تأهب كامل في أوروبا استعداداً لما يجري، كما بدأت المناورات مهامها. يجري ذلك في ظل مستويات معينة جنباً إلى جنب الحديث المباشر عن منظومة العقوبات التي يمكن أن تفرض على روسيا حال إقدامها على تنفيذ هجوم ضد أوكرانيا خاصة أنه لا توجد أي مؤشرات لخفض روسي للموقف، أو العمل عن قرب مع الموقف الغربي الأميركي خاصة مع عدم ثقة الجانب الروسي في المواقف الأميركية، خاصة وأنها سمحت لكل من دول البلطيق بإرسال أسلحة أميركية إلى أوكرانيا بينها صواريخ مضادة للدروع من طراز جافلين وأخرى مضادة للطائرات من طراز ستينجر.
والأمر لم يقتصر فقط علي السلاح، فمن بين الأمور المطروحة أيضاً خفض مشتريات أوروبا من الغاز الروسي بنسبة 43% ومن النفط بنسبة 20%، والتي تمول عائداتها إلى حد كبير الميزانية الروسية. كما قامت دول «الناتو» بنقل مزيد من المعدات العسكرية إلى أوروبا الشرقية. والرسالة المهمة في هذا السياق أن العمل العسكري يمضي إلى جوار العمل السياسي.
وفي المقابل برز رد الفعل الروسي المرتبط بكل الخيارات المحتملة، وفشل المفاوضات أصلا، خاصة مع التوجه الروسي الرسمي، والذي برز مؤخراً مع دعوات داخلية بضم شرق أوكرانيا، وهو ما طرحه مجلس الدوما بضرورة استقلال إقليمي دونيستك ولو غانسك عن أوكرانيا.
وبالتالي فإن ما يجري من تفاهمات ما زال في حالة من السيولة السياسية، بما في ذلك الموقف الألماني الذي يتباين عن الموقف الأوروبي، وفي ظل مصالح كبرى بين أوكرانيا وألمانيا، تتمثل في الدعم الألماني الكبير للعقوبات على روسيا، والموقف من مشروع السيل الشمالي للغاز وتوريد الأسلحة وغيرها من الملفات الأخرى.. وهو ما قد يشير إلى حتمية المواجهة العسكرية وخروج الأمر عن السيطرة.
أما الموقف الأوروبي في محصلته فما زال يسعى للتهدئة مع الاستعداد لأية تطورات محتملة، حيث سعت فرنسا إلى المحافظة على مسار دبلوماسي من شأنه خفض التصعيد، مع تأكيد تمسكها بوحدة الموقف الأوروبي في التعامل مع روسيا من دون التقيد بالموقف الأميركي في مجمله. وبرز هذا التوجه من خلال إرسال ممثل خاص للرئيس ماكرون إلى موسكو والاجتماع الذي عقده الأخير في برلين مع المستشار الألماني أولاف شولتز لتنسيق السياسات، والاجتماع الرباعي الروسي الأوكراني الفرنسي الألماني في إطار ما يسمى صيغة نورماندي التي أطلقت في عام 2015 لإيجاد حلول للأزمة في أوكرانيا. وتتحرك فرنسا بافتراض أن هناك مساحة متوافرة للدبلوماسية من أجل خفض التصعيد.
وفي المجمل ما تزال هناك محاولات أوروبية فرنسية تسعى لطريق آخر يقوم على التواصل وتقديم السياسة على التصعيد، والبحث عن حلول دبلوماسية في مواجهة سيناريوهات صعبة، مع عدم إغفال الهدف الروسي الرئيسي. ولعل المطروح أوروبياً يتركز في تطبيق اتفاقيات مينسك التي حددت الخطوات لتسوية المسألة الأوكرانية، والمناطق الانفصالية في إطار حكم ذاتي داخل أوكرانيا قد تكون مطروحة، خاصة مع استمرار اتهام روسيا الجانبَ الأوكرانيَّ بأنه لا يلتزم بهذه الاتفاقيات، ويسعى لإعادة فرض سلطته على منطقة دونباس بأكملها.
وفي ظل هذه التعقيدات العسكرية واستمرار التصعيد، واستئناف الجدال السياسي حول المواقف المختلفة، قد تقع المواجهة بالخطأ حال دخول روسيا أوكرانيا بغية حسم الأمر بصورة نهائية، كما حدث في ملف شبه جزيرة القرم عام 2014.


أكاديمي متخصص في العلوم السياسية والاستراتيجية