تنامت في الآونة الأخيرة نبرة الدعوات الإيرانية للتعاون الاقتصادي الإقليمي مع التشديد على إعطاء الأولية للتعاون مع البلدان المجاورة، حيث أكد كل من الرئيس الإيراني ووزير خارجيته على هذه الدعوات في العديد من المناسبات. ومن الناحية النظرية تعتبر هذه التوجهات إيجابية ومرحباً بها من قبل دول الجوار، سواء دول مجلس التعاون الخليجي أو بلدان آسيا الوسطى المحاذية لإيران، إلا أن السؤال هنا يتمحور حول مدى توفّر الأسس لهذا التعاون، أم أنها مجرد دعوات لكسب الوقت والمزايدات؟ 
والحقيقة أن البنى التحتية اللازمة للتعاون بين الطرفين جيدة ومواتية لتعزيز التبادل التجاري، إلا أن مثل هذا التعاون وتنميته يحتاج إلى أسس أخرى لا تقل أهمية، مثل الاستقرار ومد جسور بناء الثقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار ووقف الأعمال الرامية إلى الإضرار بالأطراف الأخرى. فهل هذه الأسسس متوفرة بين إيران ودول المجلس لاستئناف التعاون الاقتصادي بينهما؟ الجواب للأسف معروف، إذ لا يتوفر أي أساس كما هو في العلاقات الاقتصادية الدولية.
ويتضح للمتابع للعلاقات بين الطرفين حجم التدخلات الهائل بطابعها العدائي ضد دول المجلس من خلال تسليح الأذرع التابعة، وبالأخص الحوثي في اليمن، بمختلف أنواع الأسلحة المهرّبة وتوجيه الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية ضد كل من السعودية والإمارات، عدا عن الأسلحة المهربة التي يتم اكتشافها بصورة متواصلة في كل من البحرين والكويت، مما يؤدي إلى زعزعة الثقة بين الطرفين وتوتير الأوضاع وإلحاق الضرر بقنوات التعاون الاقتصادي.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد استغلت العلاقات التجارية القائمة حالياً بصورة سيئة للغاية من خلال تهريب المخدرات، حيث صادرت دول المجلس مئات الملايين من حبوب «الكبتاغون» التي حاول «حزب الله» اللبناني إدخالها إلى دول الخليج الست دون استثناء، مما يؤدي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية وإنسانية خطيرة، كتنمية اقتصادات الظل السوداء وحرف الشباب وتدمير مستقبلهم ووفاة الكثير منهم بسبب التعاطي المفرط للمخدرات.. مما حدا بدول المجلس إلى وقف الواردات من بعض الدول، وهو ما شكل خسائر فادحة للموردين في تلك البلدان، كلبنان الذي يعاني من انهيار اقتصادي تسببت فيه الهيمنة الخارجية.
لذلك نرى أن التجارة الخارجية لإيران مع دول المجلس متواضعة، مقارنةً بحجم تجارتها مع البلدان من خارج منطقة الخليج العربي، إذ وفق وكالة «صدا وسيما» الإيرانية، فقد بلغ حجم التجارة الخارجية لإيران في الفترة من مارس حتى ديسمبر 2021 ما قيمته 80 مليار دولار، معظمها مع الصين والعراق وتركيا، علماً بأن دول المجلس كانت تحتل مراكز متقدمة في التجارة الخارجية لإيران قبل نهجها التدخلي.
وإضافة إلى التبادل التجاري، كانت إيران في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مركز استقطاب رئيسي للسياح الخليجيين والذين تدفقوا بمئات الآلاف على المدن الإيرانية، وشكلت إيران في ذلك الوقت مركزاً للسياحة العلاجية الخليجية، وهو ما أنعش قطاعها السياحي المتدهور حالياً، كما توطَّدت أوجه التعاون في القطاعات الصناعية والخدماتية، علماً بأن تحويلات العاملين الإيرانيين من دول المجلس رفدت الاقتصاد الإيراني بقدرات مالية كبيرة.
مجمل هذا التعاون الاقتصادي والتجاري، والذي استفادت منه إيران بشكل خاص، تبخّر الآن بعد أن قوضت السياسة الإيرانية الأسس التي قام عليها، مما يعني أن الدعوات الرسمية الإيرانية التي تطلق من أعلى المستويات بين الفينة والأخرى لا معنى لها ولا تعدو كونها استهلاكية ومتناقضة إلى حد كبير مع الأفعال والممارسات العملية.
أما في حالة وجود توجهات جادة، فإن ذلك يتطلب انتهاج السياسات اللازمة لبناء الثقة كأساس لعلاقات حسن الجوار، وفي مقدمة ذلك وقفُ دعم المنظمات الإرهابية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.. حيث تتوفر لكل من دول المجلس وإيران مجالات واسعة للتعاون في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو ما سيعود بالنفع على الطرفين ويساهم في تدعيم البنى الاقتصادية والتجارية وتعزيز النمو وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة، إضافة إلى دعم الأمن والاستقرار في المنطقة بعيداً عن التطلعات التوسعية والأوهام الخيالية التي لا جدوى منها.


خبير ومستشار اقتصادي