سخونة الأحداث السياسية تجعلنا نلتقط أنفاسنا بصعوبة، فالعالم يبدو وكأنه على فوهة بركان بفعل الأزمة الروسية -الأوكرانية التي تدخل تباعاً بمنعطفات خطيرة، خصوصاً بعد الردود السلبية التي تلقتها موسكو من الإدارة الأميركية وحلف «الناتو» ورفضهم تعهدها بعدم التمدد في الدول المحيطة بروسيا.

وزارة الخارجية الأميركية كانت قد أمرت بإجلاء الدبلوماسيين وعائلاتهم من كييف، ثم اجتمع الرئيس الأميركي جو بايدن بفريقه للأمن القومي لمناقشة سيناريوهات الموقف وتداعياته بعد حشد موسكو أكثر من 100 ألف جندي على الحدود الأوكرانية، متوعدة واشنطن روسيا برد مزلزل في حال وقوع العدوان على الرغم من التأكيدات الأميركية بأنها لن ترسل قواتها إلى مسرح العمليات مكتفية بدعم أوكرانيا بالسلاح.
من جهتها، قالت وزيرة الخارجية البريطانية َ«ليز تراس» في بيان صادر عنها بأن المعلومات التي أُفرج عنها تسلط الضوء على حجم النشاط الروسي، وأكدت أنه يتوجب على روسيا نزع فتيل الأزمة.. وسلك نهج يبلوماسي.
أما حلف الناتو فهو يترقب الموقف بعد تحذيره من الآثار الكارثية التي ستترتب حال وقوع الغزو، فيما الدول الأوروبية تبدو وكأنها في موقف لا تحسد عليه بسبب الأزمة التي تعتبر الأخطر في أرضيها منذ الحرب العالمية الثانية، مع العلم أن فرنسا وألمانيا غير متحمستين لتصعيد الموقف، وتسعيان دبلوماسياً لإبعاد شبح الحرب، وبين جميع تلك المواقف يسعى بوتين لاستثمار التناقض في مواقف الدول الغربية، لا سيما وأن بكين متعاطفة مع موسكو، وكانت قد دعت الغرب لأخذ المخاوف الأمنية الروسية بعين الاعتبار.
كل ما يحدث اليوم يحيلنا إلى التفكير جدياً في نظام عالمي جديد، يبدو وكأنه يتشكل حالياً بعد هيمنة طال أمدها من جانب قطب واحد أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي، وبعد خسارة موسكو كل ما كان يقع تحت سلطتها في شرق أوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، واليوم تتطلع لاستعادة مكانتها ودورها دولياً ورافضة ضم أوكرانيا إلى عضوية الناتو، وهي مصممة على التمسك بمطالبها ملوحة بأوراق ضغط تستطيع من خلالها إرهاق وإزعاج واشنطن وحلفائها.
الضبابية تلف المشهد، ولا نعلم كيف ستنتهي الأمور، لكننا ندرك أن التصعيد قائم وبشكل مستمر، لا سيما وأنّ نتيجة المفاوضات بين روسيا والغرب كانت قد تمت خلف الكواليس، وانتهت لقاءات عديدة غير أن كل ما حدث لم ينبئ عن أي تباشير بإمكانية حدوث انفراج حقيقي وواقعي للأزمة القائمة، لا بل يزداد الغموض تباعاً، وهو ما يعيدنا إلى الأزمة التي حدثت بسبب الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما بدا العالم وكأنه على شفا حرب نووية.
إن تطورات الموقف تعني دول المنطقة بأكملها، لأن نشوب أي نزاع في أوروبا ستصيبنا شظاياه ولو من بعيد، وهو ما سيؤثر حتماً على جميع تلك الدول، خصوصاً وأنها لم تتعاف من الحروب منذ عقود. ما يحدث على حدود أوكرانيا لا ينفصل عن نتائج مباحثات الملف النووي الإيراني في فيينا، وعلى أهل السياسة والدبلوماسية التحلي بالبصيرة ووضع السيناريوهات المحتملة والتصورات الأنسب للتعامل مع ما يحدث، وجميع الأطراف المرتبطة بهذه الأزمة مطالبة بالوصول إلى أفضل الحلول التي توصد باب أي حرب محتملة، لأنهم إن فشلوا ستنفتح أبواب الجحيم على العالم.