بعد تأجيل الانتخابات في ليبيا التي كانت مقررة يوم 24 ديسمبر، عبّرت الدول الغربية الأساسية عن حرصها على تنظيم الانتخابات في ظرف قريب من أجل حل المعضلة السياسية الليبية.
ووفق المقاربة التي اعتمدتها هيئة الأمم المتحدة، يكفي لحل الأزمات السياسية إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة تفضي إلى انتخاب سلطات حاكمة شرعية، بما يضع حداً لصراع القوى المتصادمة ويضمن الاستقرار والسلم الأهلي. 
إذا استثنينا تجارب الانتقال السياسي في جنوب أوروبا وبعض بلدان شرقها، لا نجد أي دليل عملي على نجاح هذه المقاربة في حل الأزمات السياسية الداخلية. وتكفي الإشارة هنا إلى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وإلى ليبيا نفسها بعد أحداث 2011.
والسؤال المطروح هنا لا يتعلق بالإشكال النظري حول كونية الحل الديمقراطي وشروط تحققه في المجتمعات غير الليبرالية، وإنما بنموذج الاعتراف ومحدداته العملية التي توفرها الآليات الصورية الإجرائية للانتخاب في مجتمعات متنوعة تعددية. 
وبالرجوع إلى مسار الفكر الليبرالي، نلاحظ أن آلية الانتخاب لم تبرز إلا بعد توفر الشرطين الأساسيين لفاعليتها، وهما: تشكل الإرادة الفردية الحرة المستقلة عن الهويات الجماعاتية والأنساق المعيارية الكلية، من معتقدات جماعية ومؤسسات دينية وطائفية، وتمايز الدولة والمجتمع من خلال قسمة العمل وانبثاق ما سماه هيغل نظام «العيش الاتيقي» الذي هو المجال القيمي المشترك المختلف عن أخلاق الواجب الفردية.
إلا أن المشكل الذي طرح منذ البداية على الفكر الليبرالي يتعلق بمشروعية نظام التمثيل الفردي المحض للتعددية المجتمعية التي لا تنحصر في الهويات الفردية المتمايزة، بل تمتد إلى أنماط أخرى من الهويات الجماعية التي قد تأخذ شكل طبقات اجتماعية أو مجموعات ثقافية ولغوية أو كيانات تعبيرية مشتركة. لقد عُرف هذا الإشكال في الفلسفة المعاصرة بسؤال الاعتراف الذي ينطلق من الإشكالية المحورية للحقوق في المجتمعات الديمقراطية، هل تتلخص في مسألة العدالة التوزيعية أم في تجاوزها إلى اعتبار الاختلافات والهويات الخصوصية في مجتمعات يسمها التنوع الثقافي والقيمي؟ وإذا كان الفيلسوف الألماني «اكسل هونت» قد جعل من الاعتراف محور فكره النظري بالتمييز بين ثلاث دوائر أساسية، هي الاعتراف العاطفي والاعتراف القانوني والاعتراف الاجتماعي، فإنه لم يسع إلى اقتراح الأدوات القانونية والتنظيمية لمقاربة الاعتراف الموسعة، وظل حذراً من خيار «التعددية الثقافية» الذي تبنّته الفلسفات المجموعاتية في أميركا الشمالية. 
إلا أن الإشكال عاد بقوة في الآونة الأخيرة إثر اندلاع موجة «النقد ما بعد الكولونيالي» و«ثقافة الإلغاء» في إطار النقد الجذري لفكرة الكونية الليبرالية المجردة التي هي مقوم المركزية الثقافية «للإنسان الأبيض».
إن هذه الإشكالات مطروحة في السياق الليبرالي الغربي، فماذا يمكن القول في السياقات غير الليبرالية، التي لم تتعمق فيها القيم الفردية العقلانية ولم تبرز فيها هويات مدنية مستقلة عن الانتماءات العضوية القوية من روابط طائفية وقبلية وإثنية؟ ألا تكون الديمقراطية الانتخابية في هذه الحالات خطراً على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية؟ 

قد لا يكون السؤال جديداً في ذاته، فأغلب البلدان المستقلة، في أفريقيا وآسيا، اختارت منذ بناء الدولة الحديثة نهجاً سياسياً مركزياً لا مكان فيه للحريات السياسية ولا للنظام الانتخابي الفردي، لكن التجربة أثبتت أن الأنظمة السلطوية القائمة على الأحادية الحزبية والتحكم الاستبدادي فشلت في إدارة التنوع الاجتماعي، بما أدى إلى انهيارها بعد تقويضها للسلم الأهلي.
بيد أن المسلك الانتخابي في ذاته ليس ضمانةً كافيةً لحل الأزمات السياسية في البلدان التي تعيش مصاعب التحول الديمقراطي كما هو شأن العديد من الدول العربية. فمن الجلي أن التعددية الحزبية والسياسية في مثل هذه الساحات لا تعبر عن طبيعة التنوع المجتمعي، بل غالباً ما تطمسها وتحجبها. وإذا كان من غير المطروح ولا المبرَّر أن يأخذ النظام الانتخابي شكل المحاصصة القبلية أو الطائفية أو المناطقية- كما اقترحت بعض الدوائر السياسية الأميركية في العراق سابقاً- فإن النظام التمثيلي لا بد أن يواكبه بناء مؤسسات اندماج وطني صلبة تعبّر عن الحقل العمومي للدولة في استقلاله عن المجتمع الأهلي. فبدون هذه المؤسسات العمومية المستقلة والفاعلة تتحول الدولة نفسها إلى رهان للصراع السياسي من أجل التحكم في منافعها ومواردها بدل تكريس الولاء لها من حيث هي كيان جماعي معبر عن وشائج المواطنة المشتركة.

أكاديمي موريتاني