لطالما سخّرت الدول الكبرى البحث العلمي بكل مكوناته لتحقيق مصالحها وخلق البيئة المحلية والدولية الملائمة لها، ولهذا يعد الكثيرون العلم جزءاً لا يتجزأ من السياسة، وحتى عندما يكون البحث العلمي موجهاً تماماً لخدمة العلم والمجتمعات الإنسانية فقط، تكون مخرجاته ونتائجه أداة قوية لدى الحكومات والشركات والأشخاص. ولا يجب أن نستغرب أنه من الممكن أن يعدّ البحث العلمي بصورة رئيسية في بعض الحالات لغرض سياسي بحت، أو أن يتم التلاعب بمخرجاته أو توجيهها أو تضخيمها، أو الإضافة إليها لصناعة قرار أو كسب الرأي العام والتأثير في المزاج العام، أو للتفوق على تحد ما أو تغيير المحصلة النهائية لسياسات الدول والمؤسسات الأممية، وكلمات مثل أن العالم أو الباحث «غير متحيّز» و«عقلاني» غير دقيقة في هذا السياق، حيث إن هناك تمييزاً مهماً يجب القيام به بين العلم والمنهج العلمي، ونحن نستخدم الطريقة العلمية لتقليل التحيّز وتعظيم الموضوعية وهذا هو العقلاني وغير المتحيّز. وأما المشروع العلمي ليس كذلك، فقد يتشبث بأسطورة خيالية، ولذلك لربما أن الانخراط في البحث العلمي هو نشاط اجتماعي ونشاط سياسي واقتصادي بطبيعته وليس نشاطاً معرفياً فقط. 
وعندما تمول الدول الكبرى الأبحاث العملاقة غير السرية، فهي بطبيعة الحال تريد أن تحظى بمباركة المجتمع ودافعي الضرائب في تلك المجتمعات، ومن جهة أخرى فمن يتحكم اليوم بالعالم الافتراضي، وخاصةً فيما يخصّ البحث العلمي ومصداقيته ومصادره الموثوقة، هو مطلّع تماماً على توجهات الدول ومشاريعها وحتى السرية منها من خلال ما يوفره الإنترنت اليوم للباحثين من حقول معرفية غير مسبوقة في التاريخ البشري، ولذلك تؤمّم بعض الدول بصورة غير رسمية بيانات حقول المعرفة الافتراضية وخاصةً في بحوث العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتاريخياً كانت للحكومات والنخب والأحزاب المهيمنة القدرة على اختيار من يُسمح له بأن يصبح عالِماً وباحثاً.

فالعالم بنموه السكاني المطرد وندرة الموارد المهمة للحياة يشكل تحدياً وجودياً للبشرية وبقائها، ويتساءل البعض: ما دور الأبحاث العلمية في معالجة هذا التحدي وكيف السبيل إلى ذلك؟ وهو ما يدخلنا في عالم غامض من الأمراض والكوارث وانتشار الجريمة والسلوك العدائي الإقصائي بين سكان الدولة الواحدة وغيرها من الأمور، ناهيك عن اتجاهات كتم أصوات الباحثين المستغلّين والذين يشككون في آراء القطيع العلمي إن صح التعبير.
ومن التاريخ نذكر كيف اشتهر الفاتيكان بسجن جاليليو وإجباره على التراجع عن تأكيداته العلمية بأن الأرض تدور حول الشمس لمعارضة المفهوم لمعطيات ومسلمات دينية، وقس على ذلك في كل الديانات والثقافات. وينطبق الحال كذلك على المؤسسات البحثية والعلمية التي لا تقبل بتدنيس قداسة نظرياتها العلمية وتكييف عقول الجماهير بأن المشككين مهووسون بنظرية المؤامرة.
والسيطرة على ما يمكن أن يقوم به علماء الأبحاث ليست ظاهرةً غامضةً، أو أنها انتهت بانهيار بعض النظم السياسية أو المتغيرات في الأحزاب السياسية وتشابك المجتمع والسياسة والعلم، ولاسيما أن مفاهيم علمية مدعومة بمجموعة قوية من البيانات الواقعية وأصبحت الآن بطبيعتها مسيسة، ليس بسبب الجدل في المجتمع العلمي ولكن لأنها تهدد أجندة أحد الأطراف، وذلك على غرار تغير المناخ وانتشار الجائحات، وكيف أن التقارير الصادرة عن لجان الخبراء والمؤسسات ووكالات البحوث الدولية والحكومية والخاصة تسيّر بحسب كيف تتعاطى الدول مع التحديات التي تواجهها، وقد توجه لتسيء التصرف أو الاستخفاف بالتهديدات الحقيقية وبالتالي نزيفها لمواردها الوطنية، أو تتفاجأ بما لا يمكن لها السيطرة عليه وتحويل أجندات التنمية على سبيل المثال لمواجهة تحد ناشئ محتمل، أو ضعف الجاهزية لتفاقم الوضع في تحد قائم.
وقد تَصدر بحوث قيّمة للغاية يتم التقليل من جودتها ومصداقيتها أو المبالغة المفرطة في نتائجها، وكل ذلك يوضح مدى الترابط بين البحث العلمي والسياسة وباقي القطاعات الحكومية التي لا ترى في البحث العلمي والمعرفة قوةً تتعدى الحدود الجغرافية والظواهر الملموسة. 

كاتب وباحث إماراتي متخصص في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.