تنشغل الحكومة الإسرائيلية هذه الأيام بملف إيران النووي، وتضعه على رأس أولوياتها السياسية والأمنية والإستراتيجية، وقد قطعت شوطا كبيرا في التحذير من تبعات التوصل للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، كما تبنت نظرية الحل الانفرادي عند الضرورة خاصة مع تحذير أجهزة المعلومات من توصل إيران للعتبة النووية وحسم الأمر.

ومع ذلك نجد اهتماماً إسرائيلياً كبيراً بما يجري في الإقليم من تحولات تسعى لربط إسرائيل بمصر، والأردن في إطار اتفاقيات تصدير الغاز، والربط الكهربائي، وتطوير معاهدة السلام مع مصر والتجاوب مع المطلب الأردني في معاهدة «وادي عربة» وزحزحة الحل مع الفلسطينيين. والرسالة أن إسرائيل تسعى لتقديم وجه مختلف عما جرى في سنواتها السابقة، كما تعمل على تعزيز علاقاتها مع الدول التي أبرمت معها اتفاقيات السلام انطلاقا من مبدأ المصالح الواحدة والفوائد المشتركة، كما يتغير الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي في طريق الالتحاق بحلف «الناتو»، والمشاركة في المناورات والتدريبات، والتي كان آخرها العلم الأزرق، مع العمل على استثمار علاقاتها في شرق المتوسط مع قبرص واليونان بل وتركيا في إطار تصفية المشكلات الراهنة، والتي تعلن عن نفسها بين البلدين، وهو ما أكد عليه الرئيس التركي مؤخرا من مسعاه لتحسين العلاقات مع مصر وإسرائيل.

ومن واقع المسح الدوري المعلن للمصادر الإسرائيلية المتعمقة نكتشف التركيز على المهددات والتحديات الحقيقية التي تواجه الدولة في العشر سنوات المقبلة، وليس إلى العام 2050 أو 2075، كما تذهب بعض الدراسات المهمة، والتي أنتجها العقل الإسرائيلي منذ سنوات، وتركزت على قراءة تأثير المتغيرات على بقاء الدولة في محيطها لدولة لم تستكمل بعد الـ100 عام من عمرها السياسي في المنطقة، ومن ثم فإن التركيز على الأولويات مرتبط بطرح السيناريوهات والمشاهد المستقبلية، وبما يخدم الحفاظ على مكانة إسرائيل في الإقليم مع الاستمرار في نهجها السياسي والاقتصادي، والسعي للتوصل إلى مكانة متقدمة في المؤشرات الدولية المتقدمة في مجال التنمية والتقنيات، والإنفاق والصحة والتعليم وغيرها، وهو ما سيضع إسرائيل في مكان متقدم عالميا، ولهذا شاع في الفكر السياسي الإسرائيلي الراهن ضرورة العمل على وضع الخطط الرئيسية واستحداث آليات التخطيط والإنجاز، ارتباطا باحتياجات الدولة ومهامها الكبري.

في هذا الإطار من المهم قراءة ومتابعة جدول أعمال إسرائيل في الفترة المقبلة بالتركيز على تنحية البعد السياسي والحزبي، والصراعات الإيديولوجية، والتي كانت عنوانا للفترة الماضية، وإعادة صياغة أولويات موحدة يعمل عليها الجميع على الرغم من تباين الرؤى، وتجاذب المواقف بين القوى السياسية، لكن يبقى التأكيد على ضروريات العمل معا لمواجهة أية مخاطر على بقاء الدولة مع إخراج السياسات التي كانت تجري في الخفاء للعلن، مع بناء استراتيجية الردع المباشرة تجاه أية مصادر للتهديد، أو الخطر.

وما برز جليا في التركيز الراهن والمستقبلي على الخطر الإيراني، وليس خطر الفصائل الفلسطينية، أو«حزب الله»، والعمل على نطاقات متسعة من السياسات والتوجهات التي يمكن أن تسمح لصانع القرار الإسرائيلي بالحركة والعمل، واتخاذ الإجراءات الناجزة.

وفي هذا السياق تريد إسرائيل من الإقليم الاستمرار في إبرام اتفاقيات سلام مع الاستمرار في إدارة المشهد السياسي مع الجانب الفلسطيني على ما هو عليه دون الدخول في تفاصيل حقيقية، والتعامل الإداري والمحلي من خلال لجان الأمن، والارتباط بين الجانبين، ولن تكون هناك ممانعة في استئناف الاتصالات مع السلطة الفلسطينية على مستوى الوزراء والمسؤولين الأمنيين، وهو ما يجري منذ سنوات حتى في فترة رئيس الوزراء السابق نتنياهو، كما ستستمر في مخطط الاستيطان في القدس، وما يجاورها من خلال بناء أحزمة الاستيطان الرأسي والأفقي. والرسالة أن إسرائيل ستعمل على محاور متعددة، ومرتكزات شاملة، ولن تغيرها مع الاستمرار في تبني مصالحها العليا مع دول الإقليم انطلاقاً من قاعدة النفعية التي تحكم نهج حكومتها، ونخبتها السياسية الراهنة.

* أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية.