بعد احتلال العراق في عام 2003 دخل حالةً من الفوضى والاضطراب، ودبت الخلافات السياسية والطائفية والمذهبية والمناطقية في أوصاله، تارة باسم التنافس الانتخابي، وتارة أخرى باسم الطائفية، ومرة باسم المحاصصة، ومرة أخرى باسم الأقاليم والاستحقاقات النفطية. أكثر من 18 عاماً والصراع محتدم على الكراسي والمناصب والمحافظات والمساجد والحسينيات والميزانيات. لم تنته الاتهامات وخطب التشكيك والطعن في الولاء للبلد وخدمة الشعب، والتدخلات مستمرة من كل الأطراف وجميع المشاركين في العملية السياسية.

فقد العراقيون كثيراً من أحبتهم ما بين قتيل ومعتقل وهارب ومهجَّر ومطارد. دار السلام منبع الحضارات، التي أُسست وبنيت قبل أكثر من آلاف السنين، وكانت منارةً للعرب والمسلمين ومركزاً للعلم والمعرفة والتنوير ووجهةً للتاريخ.. أصبح حالها يغني عن سؤالها!

بعد احتلال بلاد الرافدين تحولت الأرض إلى بؤر مقلقة للداخل العراقي نفسه ولجوار العراق أيضاً، بعد أن كانت رائعة وجميلة ومتميزة ومحط أنظار العالم. تحولت إلى ساحات قتال ومذابح ومقابر جماعية، إلى ميدان لتصفية الحسابات مع بعض الدول الإقليمية، وبدأت الطوائف تتناحر وتتقاتل فيما بينها.

وبالطبع ساهم كل ذلك في ارتفاع خط الجريمة وتراجع التعليم وغياب العلم.. وأصبحت كل فئة تتهم الفئة الأخرى، وكل سياسي يخوّن السياسي الآخر. وفي أعقاب كل انتخابات تعلن القائمةُ الفائزةُ أن الشعبَ قال كلمتَه الحرةَ وأدلى بصوته الشريف الصادق، من دون خوف ولا تردد، وأن «صناديق الاقتراع أنصفتنا»، والشعب اختار مَن يمثّله بحرية تامة وفي جو من الشفافية والنزاهة.. لقد «ظهر الحق وزهق الباطل».. وسوف نعيد للشعب العراقي المظلوم المهمّش حرّيتَه، فصوتُه أمانةٌ في أعناقنا، وسنعيد له كرامتَه المسلوبةَ وثرواتِه المنهوبةَ، وسوف نمثّله أحسن تمثيل، ونقضي على الفساد الإداري والمالي ونوقف الخراب السياسي ونتصدى لتهريب الأموال ونمنع المحاصصة الطائفية المقيتَةَ، وسنعيد سيادةَ الدولة العراقية ومجدَها وكرامتَها، وسنقضي على كل المتآمرين والخونة والسراق واللصوص والعملاء الذين ولاؤُهم للخارج وليس للوطن!

أما حين تخسر تلك القائمةُ نفسُها في الانتخابات، فإنها تعقد مؤتمراً صحفياً وتجيِّش ميليشياتها الطائفية المسلحة، وتصرّح وتقول: إن هذه الانتخابات مزورةٌ ومزيفةٌ وباطلةٌ وغير صحيحة وغير منصفة ولا عادلة ولا نعترف بنتائجها ولا نقبل بها أبداً، وسوف نأخذ حقنا بكل ما أوتينا من قوة، ونرجِع كرامتَنا، والشعبُ لن يرضى بالضيم والظلم والتزوير والتزييف والخداع والتسويف.. وإننا نستنكر بشدة هذه المهزلة الكبرى، التي لا تنطلي علينا وعلى شعبنا الكريم الأبي الوفي المخلص، الذي سوف يرفض هذه الانتخابات المشبوهةَ.. ونطالب المفوضية العليا للانتخابات بإعادة فرز الأصوات يدوياً من دون تزوير ولا خداع ولا ضغوط خارجية.

وإذا لم تنصفنا المفوضية فسوف نأخذ حقَّنا بقوة السلاح وإرادة الشعب العظيم الذي سيقف معنا بكل ثقة وقوة ووضوح، وسنعيد حقوقَه الكاملةَ المهدورةَ التي سُرقت منه في هذه الانتخابات المزورة! ما هذا بالعراق وما هذه ببلاد الرافدين ولا هذه بمدينة الرشيد ومدينة السلام، وما هي بعراقية هذه الفئات والطوائف والمذاهب والعقول التي اختطفت بغداد العروبة والإسلام وحمورابي والمنصور والرشيد والمتنبي ونبوخذنصر وبابل والقادسية، وكل الإنجازات في عهد الحكم الوطني.. ما هذا العبث الذي تمارسه تلك الأحزاب التي أثبتت أنْ لا ولاء لديها للعراق وشعبه وتاريخه؟!

لقد شيّد العراقُ أرقى الجامعات والكليات والمعاهد والمسارح ومراكز البحث ودور النشر ومراكز الفنون ومعارض الكتب.. فهل يمكن أن يضيع كلُّ ذلك ويذهب دون أي أثر له في مواقف العراقيين ورؤاهم؟! لك الله يا عراق السلام والعروبة!

*كاتب سعودي