في ثلاث كلمات بليغة لخص سياسي ليبي بارز وقيادة سابقة من قيادات حركة «الإخوان المسلمين» الحال الراهن لهذا التنظيم، ففي حديث أخير أجرته القناة الليبية 218 مع محمد صوان، رئيس «الحزب الديمقراطي» والرئيس السابق لحزب «العدالة والبناء» المنتمي لتيار «الإخوان المسلمين»، تحدث صوان عن المرجعية الدينية التي تأسس عليها الحزب وانبثاقه عن المؤتمر العام لـ«الإخوان المسلمين» في عام 2011، ورفض مصطلح «الإسلام السياسي» مؤكداً أنه مصطلح دخيل، وأن الإسلام هو القاسم المشترك بين جميع الليبيين، بما يعني ضمناً أن احتكار فئة ما للحديث باسم الإسلام لا معنى ولا مبرر له، منتهياً إلى أن تجربة «الإخوان المسلمين» أصبحت «تجربة من الماضي». وهكذا شهد شاهد من أهلها على صحة الاستنتاج الذي توصل إليه كل محلل موضوعي لتطور هذه الحركة ودلالة التطورات المتلاحقة التي ألمت بالحركة في العقد الماضي، وهو أن هذه الحركة باتت بلا مستقبل. والواقع أن أساسها منذ بدايته فاسد، فقد بدأت بزعم العمل على إحياء الدين، ثم انتقلت إلى الدعوة إلى «الحكم بما أنزل الله» واحتكار تفسير المحتوى السياسي للدين بما يحقق مصالحها، ثم إلى الرغبة في الوصول للسلطة. ولما فشلت في الوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية بقي لها نهج العنف الذي اتّبعته منذ مرحلة مبكرة بعد تأسيسها في مصر 1928، واستمر هذا العنف عبر المراحل المختلفة لتطور النظام المصري من عبد الناصر إلى مبارك، بما يؤكد رسوخ هذا البعد لديهم. بل إن الحاكم المصري الوحيد الذي أتاح لهم حرية العمل السياسي انتهت حياته على أيدي قتلة من تنظيمات تفرعت عن شجرتهم. ولم يتمكن «الإخوان» من الإمساك بالسلطة إلا في السودان في انقلاب البشير 1989 الذي حكم السودان لثلاثين سنة شهد فيها أهوالاً وانفصل عنه جنوبه.
ثم وقعت الانتفاضات الشعبية في عديد من البلدان العربية، مطلع العقد الماضي، ووفرت فرصة للتيار المتمسح بالإسلام كي ينفرد بالسلطة، كما حدث في مصر، أو يلعب دوراً سياسياً مهماً كما في الحالة الليبية وغيرها، لكن سرعان ما اتضح أن التنظيم الذي دوخ «الدولة» عبر العقود بتنظيمه المحكم وأساليبه العنيفة، غير قادر على إدارتها بكفاءة. وهكذا ثار الشعب المصري ضد حكم «الإخوان» بعد سنة واحدة من بدايته، وتخلص من ذلك الحكم، وبعدها بدأ منحنى نفوذهم يتراجع في تونس، إلى أن جاءت قرارات الرئيس قيس بن سعيد الأخيرة لتضعهم في حجمهم الطبيعي، وتكمل انتخابات المغرب التشريعية الأخيرة أبعاد الصورة بعد أن تردى وضع حزبهم من المركز الأول إلى ذيل الترتيب، وهي نتيجة منطقية للأداء السيئ وعدم تلبية المطالب الحقيقية للناس في هذه الدول. وتكتسب التجربة المغربية أهمية خاصة لأنها الوحيدة التي لا يمكن الزعم فيها بأن ما حدث للحزب يتضمن أبعاداً «انقلابية». ولم يتوقف الأمر عند تلك التطورات، وإنما الأخطر هو الانشقاقات التي بدأت تدب في صفوفهم الداخلية، كما حدث في «حركة النهضة» حتى من قبل قرارات الرئيس التونسي، حيث وصل الأمر إلى المطالبة بتنحية رئيسها الذي تجاوز المدة القانونية لبقائه، ناهيك بخلافات حقيقية حول تقييم المرحلة ومسؤولية الحركة عما آلت إليه الأوضاع في تونس، وتقديم حوالي مائة عضو استقالاتهم من الحركة اعتراضاً على الأسلوب الذي يدير به زعيمُها الأمورَ. ولم تقف الظاهرة عند حد «إخوان» تونس، بل عرفها أيضاً «إخوان» مصر والأردن وليبيا وغيرهم. وهكذا يمكن أن نخلص إلى أن آفاق المستقبل بالنسبة لجماعة «الإخوان المسلمين» باتت محفوفة بالمخاطر، لأسباب تعود بالدرجة الأولى لفساد فكرتها وتعاظم التناقضات داخلها.
 

أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة