بصرف النظر عن ردود الفعل الأوروبية على الموقف الأميركي المستجد في المحيطين الهندي والهادئ، واتجاهه لإعادة ترتيب أولوياته الاستراتيجية بالانخراط مع بريطانيا وأستراليا بهدف محاصرة الصين، فإن ثمة حقائق مهمة تكشف عن نفسها في إطار ما سيجري بعيداً عن محاولات ترضية الجانب الفرنسي، أو إقناع بعض الدول الأوروبية بأن الأمر سيمر، وأن إدارة الرئيس الأميركي ستظل على معطياتها الراسخة في الدفاع عن أوروبا، فالأمر أكبر من أية تصريحات، خاصة أن إلغاء كل من أستراليا وسويسرا لصفقتي الغواصات سيثير أزمة حقيقية داخل حلف الأطلنطي، وسيؤدي بالدول الأوروبية لمراجعة سياستها بعد أن تضررت فرنسا الضرر الأكبر، ودفعها لإلغاء احتفال تذكاري للتعاون مع الولايات المتحدة، واستدعاء سفيرها في واشنطن وكانبيرا، وإلغاء بعض الاجتماعات التي كانت مقررة مع وزراء الدفاع في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا والهند.

الواضح أن استبعاد فرنسا من التحالف الجديد - وهي الأجدر للدخول فيه- سيكون له تبعاته، خاصة أن لها وجوداً مقيماً في هذه المناطق الجيواستراتيجية، والقادرة على تقديم الدعم الشامل للولايات المتحدة، الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه حول ما سيجرى في حلف الأطلنطي لاحقاً، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يستثمر في هذه المنطقة الاستراتيجية بما يقترب من 11 مليار دولار. ستحتاج الولايات المتحدة لمراجعة سياستها وما اتخذته من إجراءات حال تصاعد مساحات التجاذب والتباين مع فرنسا، واحتمال تتالى إلغاء صفقات استراتيجية أخرى، والرسالة أن فرنسا التي ستتولى بدايات العام القادم رئاسة الاتحاد الأوروبي، وستعقد اجتماعاً يجري ترتيب أعماله تحت مسمى الاستقلالية الاستراتيجية، وتوجيه البوصلة سيكون لها قرارها وموقفها السياسي وإنْ هدأت رياح العاصفة.

سيكون أمام فرنسا إما إعادة ترتيب الأولويات، وتبني موقف تصعيدي بالتشارك مع الجانب الألماني للحفاظ على الاتحاد الأوروبي، وإما التهدئة الحذرة والمخطط لها مع واشنطن. ومن المستبعد أن تُقدم ألمانيا أو فرنسا على اتخاذ إجراءات عقابية، أو تجميد لبعض الأنشطة داخل حلف الناتو، خاصة أن فرنسا ثالث دولة كبرى في الحلف، ولها ارتباطاتها الكبرى في الحلف، وخارجه بصرف النظر عن دعاوى اليسار الفرنسي بالخروج من الحلف.

وفي المقابل من المستبعد أيضاً أن تقدم الإدارة الأميركية على إدخال فرنسا التحالف الجديد مع أستراليا وبريطانيا، خاصة أن هناك دولاً مثل اليابان والهند، وغيرها تعمل على الانضمام في مواجهة ما سيجري أميركياً تجاه الصين، وبالتالي سيبقى حلف الناتو كما هو في موقعه، ولن تقدم دوله علي مناطحة السياسة الأميركية، وتفضيل البقاء تحت المظلة الأميركية، وإن كان هذا كله سيطرح سؤالاً - ستفضل الإدارة الأميركية عدم الإجابة عنه بالنسبة لتحالفها مع الدول الأوروبية - والمرتبط بعودة التلويح الأميركي مجدداً بالتأكيد على أن تدفع أوروبا ثمن الدفاع عن أمنها.

ولا يستبعد وقتها أن يجمد حلف الناتو نشاطه لحين اتضاح الرؤية، مع استمرار التنسيق الأميركي الفرنسي في مناطق مختلفة، كما يجري في أفريقيا وجنوب الساحل والصحراء، وسيقابل ذلك الطرح اتجاه فرنسا - ولو على سبيل توجيه الرسائل إلى الأطراف الأخرى المؤثرة مثل روسيا والهند بل والصين- للتعامل وفق سيناريوهات جديدة مع التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي من مصلحته الحفاظ على علاقات جيدة مع الصين. ثمة تحولات حقيقية ستجري في منظومة حلف الناتو من جانب، وإطار العلاقات الأوروبية الأميركية من جانب آخر، ولننتظر لنرى تأثيرات ذلك على منطقة الشرق الأوسط.

* أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعلوم السياسية.