حسمت الخطوات الإصلاحية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد مؤخراً الأمر لصالح تونس في ظل التفاعل الإيجابي من مختلف شرائح المجتمع التونسي، الذي دعمت خياره القوات المسلحة، وأكدت انحيازها له عندما وقفت ضد كل من حاول ابتزازه.
لم تفاجئ قرارات الرئيس سعيّد المراقب للشأن التونسي، خصوصاً وأنه كان قد نوّه - غير مرة - بأنه لن يقف مكتوف اليدين أمام من يعبثون بالبلد ويهددون استقرارها ويحولون دون تنفيذ خططه الطموحة. ما وصلت إليه الأوضاع في تونس من انحدار في المجالات المختلفة لم يكن وليد الراهن، ولا نتيجة فشل حكومة هشام المشيشي في التعامل مع التدهور الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة، إنما هو نتيجة تراكمات من الفشل الذي يتحمل مسؤوليته حزب حركة «النهضة».
خلال الأعوام العشرة الماضية فشلت الحكومات التونسية المتعاقبة التي شارك فيها أو ترأسها حزب حركة «النهضة» التونسية في تحقيق أي إنجازات حقيقية للشعب التونسي، بل كانت نتائج سياسات تلك الحكومات كارثية، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، حيث ارتفعت معدلات البطالة ووصلت وفق أرقام رسمية إلى 18%، فيما تجاوز الدين العام الناتج المحلي الإجمالي، وانهارت العملة المحلية، وانتهى عام 2020 بانكماش اقتصادي بلغ 8.8%، واستفحل الفساد إلى درجة بات فيها خارج حدود السيطرة، إلى جانب الفشل في مواجهة جائحة كوفيد-19.
حين أعلن الرئيس سعيد في 25 يوليو الماضي ثورة تصحيح المسار، فقد جاءت عملياً ضد رئيس البرلمان التونسي المجمّد ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الحزب «الإسلامي»، الذي كان يسعى للاستئثار بالسلطة غير آبه بالقوى السياسية والشعبية الأخرى وبمواقفها، حاله في ذلك حال حزب الإخوان المسلمون في مصر. فالإسلاميون فشلوا في تقديم أنفسهم كبديل سياسي مقنع للشعوب العربية حينما عجزوا عن طرح الأولويات الحقيقية التي تمس حياة الناس، ولعدم استطاعتهم تقديم مشروع سياسي نهضوي ولا قيادات فاعلة ومقبولة مجتمعياً، إلى جانب دخولهم في صراعات مع مؤسسات الدولة.
إن الفشل الذريع الذي مُني به «الإسلاميون» خيّب آمال أنصارهم في الشارع التونسي، وهم الذين خدعتهم شعارات «النهضة» ووقعوا في فخ الأفكار المغشوشة، لتنكشف فيما بعد لهم الحقائق بجلاء ووضوح عندما لم تحقق «النهضة» أي إنجاز ملموس في أي مجال، ولهذا اعتبر كثيرون أن إسقاط الحركة هو حاصل طبيعي وحتمي، ومع ذلك على التونسيين توخي الحذر، والانتباه جيداً لأي محاولة من شأنها أن تخلق الفتن والنزاعات فيما بينهم، لأن الوطن أسمى من أي مطامع.
إن إعلان الرئيس قيس سعيد عدة قرارات استثنائية كان من شأنها أن تكشف مستور حزب «حركة النهضة»، وذلك بدءاً من تجميد أعمال البرلمان لمدة 30 يوماً والذي كان للنهضة فيه أكبر كتلة، ومن ثم إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، ثم توليه - أي الرئيس - السلطة التنفيذية.
ما حدث في تونس جعل الأزمات والخلافات الداخلية التي يعاني منها حزب «النهضة» تطفو على السطح، وهو ما اتضح من خلال الاستقالات المستمرة من صفوفه، والمواقف الرافضة لخياراته السياسية، ولا شك أن الأزمة الداخلية للحزب، والتي تأتي على خلفية أزمة سياسية وطنية ستؤثر على مساره، لا بل إنها تهدد موقعه في المشهد السياسي بعد أن اهتزت مكانته، خصوصاً وأن رئيسه الغنوشي ليس موضع إجماع شعبي ودولي على حد سواء.
أمام الرئيس قيس سعيد مهمة صعبة تستوجب منه الاستمرار في ما بدأ واستكمال خطواته سواء بالاستجابة إلى مطالب القوى السياسية والنخب الوطنية أو بالحفاظ على مكتسبات الشعب التونسي، وجميعها أولويات تحقق للشعب آماله.