تمثل الحركة الأولمبية الحديثة مفارقة، فهي تعزز المنافسة بين الدول كوسيلة لتحقيق السلام الدولي. وقد كانت الفكرة الواضحة وراء إحياء التقليد اليوناني القديم للألعاب الرباعية عام 1896 هي استبدال الحرب بأشكال أخرى من التنافس الدولي. غير أنها لم تنجح، إذ أُلغيت دورة الألعاب لأعوام 1916 و1940 و1944 بسبب الحروب العالمية، بينما شهدت الألعاب الأولمبية لعام 1972 مقتل أعضاء من الفريق الإسرائيلي.
لكن الفكرة القائلة بأن المنافسة الدولية يمكن توجيهها من خلال البراعة الرياضية، ما زالت تتردد، بفضل حدس بسيط، وإن كان ساذجاً، وهو أن بلداً يمكن أن يثبت قيمته من خلال الفوز بالميداليات، وهذا مقياس للإنجاز الوطني يمكن قياسه بسهولة. تلك هي الفرضية التي تلهم الدول الأقل أهمية للاحتفال عندما تفوز بميدالية واحدة. حتى وإن كان في رياضة صغيرة. لكنها أيضاً تترك الأميركيين قلقين إذا لم يزدد عدد الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية لديهم بالسرعة الكافية، فنحن الأميركيين مقتنعون بأن هذا ينذر بأمر سيئ، حتى ولو لم نكن متأكدين تماماً مما يحدث.
هناك رابط غامض بين الصعود على المنصة والنجاح على المسرح الدولي. تهتم الدول بالمكانة الأوليمبية جزئياً لأن قادتها يعتقدون أن المكانة الأعلى ستساعدهم على شق طريقهم في السياسة العالمية. وقام جوزيف ناي، الأستاذ بجامعة هارفارد، بترويج نسخة مؤثرة من هذا المفهوم، واصفاً إياه بـ«القوة الناعمة». وعلى عكس القوة الصلبة، مثل الثروة أو القوة العسكرية، تنبع القوة الناعمة من «جاذبية البلد ومثله السياسية والثقافية وسياساته».
ومع ذلك، تظهر أولمبياد طوكيو 2021 أن العلاقة بين ما تريده نخب الدول من الألعاب وبين ما يرغب رياضيوها في تقديمه ليست علاقة مباشرة. ترتبط طبيعة القوة في العلاقات الدولية بشكل أكبر بتحديد شروط النقاش بدلاً من تكديس الميداليات الذهبية، وهذا يعني أحياناً أن النظام الذي يسمح للمنافسين المهيمنين بالانسحاب يمكن أن يكون نموذجياً أكثر من النظام الذي يجبرهم على الدخول إلى الساحة.
وقد أدت الكراهية المتبادلة خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى مقاطعة دورة ألعاب موسكو عام 1980 ودورة ألعاب لوس أنجلوس عام 1984. وعكست دورات أخرى التوترات الدولية بشكل مباشر. فعندما لعب فريق كرة الماء المجري ضد الاتحاد السوفييتي عام 1956، بعد أسابيع من سحق القوات السوفييتية الثورة المجرية المناهضة للاتحاد السوفييتي، تحولت المباراة حرفياً إلى مباراة دموية.
وفي الآونة الأخيرة، برزت استضافة الألعاب الأولمبية كوسيلة للدول لإظهار وضعها، كما حدث في دورة بكين عام 2008 ودورة ريو عام 2016. ويرى الباحثان في المنافسات الرياضية، مايك دينيس وجوناثان جريكوسورايت، أن قرار الدولة بتنظيم مثل هذا الحدث الضخم هو «قرار سياسي إلى حد كبير، حيث يأتي الجانب الرياضي في المرتبة الثانية»، وتتفوق عليه «المكانة والمصداقية الدولية التي يمكن اكتسابها». ومع تكلفة استضافة دورة الألعاب الأولمبية التي تصل عشرات المليارات من الدولارات، فإن ثمن هذا الشكل من القوة الناعمة ينافس سعر حاملة طائرات.
وبالنسبة لناي، تتجلى القوة الناعمة في تأثير المؤسسات المستوحاة من الولايات المتحدة، مثل البنك الدولي والأمم المتحدة. فإلى جانب انتشار الثقافة الأميركية بشكل عام، من المفترض أن هذه المؤسسات تقنع البلدان الأخرى برغبة الولايات المتحدة في تحقيق ما تريده، ومساعدة قادة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافهم دون الاضطرار للعودة إلى أشكال أكثر مباشرة ولكن أقل شرعية من القوة الصلبة. توقع ناي أن القادة الصينيين الذين أرسلوا أطفالهم إلى ستانفورد أو هارفارد ستكون لديهم آراء أكثر واقعية عن الولايات المتحدة. وأشار إلى بعض قرارات السياسة الخارجية المتعجرفة أو الكارثية مثل غزو العراق، باعتبارها التزامات للقوة الناعمة. ومع ذلك، يمكن أن تتضرر القوة الناعمة من القضايا المحلية، مثل عنف السلاح أو الفصل العنصري.
يرسم عصر الهيمنة الأميركية في دورة الألعاب الصيفية بدقة عصر القوة الناعمة التي وصفها ناي. من أولمبياد برشلونة 1992 الخاصة بفريق الأحلام إلى دورة ألعاب ريو 2016 لنهائي الخماسي ومايكل فيلبس، سيطرت الولايات المتحدة على المنافسة.. لم تحتل المرتبة الأولى في كل حدث بالتأكيد، لكنها تفوقت كثيراً على أدائها في أولمبياد سابقة شارك فيها السوفييت.
ويأمل القادة أن تجني الهيبة التي تراكمت من خلال البراعة الرياضية دعماً أكبر لهم في الداخل والمزيد من الشرعية على المستوى الدولي. ويمكن للقوى الطموحة استغلال هذا التميز لإثبات استقلاليتها ومكانتها. على سبيل المثال، فإن التفوق الرياضي مكّن ألمانيا الشرقية من تكوين هوية منفصلة عن كل من ألمانيا الغربية والاتحاد السوفيتي. وعلى النقيض من ذلك، قد تنظر الدول التي تتربع على قمة النظام الدولي إلى مثل هذه المسابقات باعتبارها فرصاً أقل من كونها تهديدات لهيمنتها، وستنفق ببذخ للدفاع عن مركزها.
حتى لو تصدرت الولايات المتحدة عدد الميداليات الذهبية مرة أخرى، يبدو من غير المرجح أن تفعل ذلك بطريقة تسمح لإدارة بايدن بتأمين أهداف سياستها بنفس السهولة التي توحي بها الفكرة التقليدية للقوة الناعمة.

بول موسجريف

أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة ماساتشوسيتس في أمهيرست
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»