وصف العراق ببلاد الفقير في أزمنة سابقة، وأطلقت عليه عدة تسميات وأوصاف وألقاب مثل بلاد الحضارات وبلاد الرافدين والقادسية ودار السلام وأرض الأنبياء وبلاد آشور وبابل وبلاد نبوخذ نصر ومرقد إبراهيم ووطن مسلة حمورابي وبلاد الرشيد والمتنبي والمنصور وسرجون الأكدي.. وغيرها من التسميات والأوصاف التاريخية والألقاب الدينية، لأهمية العراق التاريخية والجغرافية والاستراتيجية، وموقعه المهم ما بين النهرين، ولكثرة الحروب فيه والتطاحنات والمشاحنات والمواجهات والتحديات، بسبب الأطماع فيه وأرضه ومياهه ونفطه، من حيث الأنهر التي تجري فيه بالصحاري الشاسعة من حدود تركيا شمالا إلى الخليج العربي جنوباً، واتساع الأرض الخصبة المتنوعة الصالحة للزراعة والري، والثروة السمكية الوفيرة البحرية والنهرية، وكثرة منابع الخير مثل النخيل والحمضيات والمحاصيل الزراعية بأنواعها ومواسمها، فضلا عن أن العراق يعوم على بحيرة من النفط الأسود والأسهل استخراجاً والأغلى قيمة ونوعية وأكثر مخزوناً استراتيجياً في المنطقة.

والآن يسجل العراق الأرقام الفلكية لكثرة الأمية وزيادة نسبة الفقر والبطالة وانتشار الفساد وارتفاع معدل الجريمة على مدى الأعوام الماضية، فضلا عن فقدان وانعدام الكهرباء في فصل الصيف الحارق. كنا ونحن في سن الشباب الباكر نذهب بسياراتنا الخاصة من السعودية إلى العراق، وحين ندخل الحدود العراقية ونشعر بالتعب والإرهاق، ننام داخل سياراتنا أو بجانبها على قارعة الطريق ونحن مطمئنين تماماً، حيث أن الأمن مستتب كلياً، ولا أحد يجرؤ أن يتعدى على أحد أو يقطف شجرة من الشارع، لانضباط الشارع وتماسكه ولقناعة الناس ببعضها البعض، وحيث لا أحد يمسك بأذى أو ينال منك أو يسيء لك بضرر.

مالها بلاد الرافدين أصبحت مسرحاً للجريمة؟ وما لها دار السلام أصبحت تبحث عن الأمان والسلام لإنقاذها من بعض أبنائها الذين غيروا جلدهم وقناعتهم وولاءهم بل حتى وطنيتهم وعروبتهم وارتدَوا أكثر من قناع ولسان وهوية؟! ما لبعضهم وقد أصبح ينظر إلى العراق على أنه غنيمة ولقمة سائغة للآكلين؟

وهل يعقل أن العراق الذي منحته اليونسكو جائزة الأمم المتحدة لتخلصه من الأمية والقضاء عليها عام 1978، يعاني الآن من الأمية والجهل والفقر؟ ليس هذا فقط، بل يعاني العراقيون أيضاً من نقص الكهرباء ومن تردي المعيشة وضيق ذات اليد، كما يعانون من عدم الاستقرار والخوف والذعر والهلع وعدم الطمأنينة.. بسبب وجود المليشيات المسلحة في معظم أنحاء العراق ومدنه، حيث أصبحت البلاد منذ عام 2003، أي منذ الاحتلال الأميركي البريطاني، هدفاً لتدخلات إقليمية سافرة هددت السيادة الوطنية العراقية وأوشكت على تقويض بنية الدولة تهشيم العديد من مقوماتها الأساسية.

كما جرى تغيير ديموغرافي أخل بالتركيبة السكانية وأربك العقد الاجتماعي، بل شوّه الهوية الوطنية الموحدة لهذا البلد العربي الذي كان له دور مهم وتأثير قوي في المنظومة العربية وفي نظام الأمن القومي والإقليمي، من خلال ما كان يمتلكه من إمكانات كبيرة وموارد وفيرة وكفاءات متميزة متنوعة، قضي عليها وتم تدميرها بشكل ممنهج مدروس ومتعمد، لكي يبقى بلد عربي عزيز مثل العراق يسبح في الظلام الدامس!

*كاتب سعودي