كنتُ قد كتبت قبل بضعة أيام عن كيف أن الجهل – الجهل بالتاريخ، وبالعلم، وبالاقتصاد، وغيره – أضحى قيمةً «جمهورية» جوهرية. وبالطبع، يقترن تمجيد الجهل هذا بازدراء الخبرة: فأغلبية واسعة من العلماء قد يتفقون على أن انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري تؤدي إلى ارتفاع حرارة الكوكب، ولكن، أتعلم؟ كل هذا مجرد خدعة كبيرة. ولكن، مهلاً، فهناك المزيد.

فعلى اليمين، لا تُعتبر الخبرة عديمةَ القيمة فحسب، وإنما يُنظر إليها على أنها تستوجب الإقصاء. إذ كثيراً ما يتم استبعاد الأشخاص الذين لديهم خبرة حقيقة في مجال من المجالات – الأشخاص الذين لديهم أي نوع من السمعة المهنية بالتأكيد – من أي دور في تشكيل السياسات، ويُمنح عديمو الكفاءة الأفضلية في كثير من الأحيان.

أقرأُ حالياً كتاب «سيناريو كارثي» لمؤلفيه ياسمين أبوطالب وداميان باليتا، حول سوء تعاطي إدارة ترامب مع وباء فيروس كورونا. ومعظم ما يتحدثان عنه في هذا الكتاب يندرج ضمن خانة «الصادم ولكن غير المفاجئ»، غير أن أحد الأشياء التي لم أكن أعرفها هو الدور الهدّام الخاص الذي لعبه ستيفان مور، وهو مستشار اقتصادي.

يقول المؤلفان: إن «مور» هو الذي دخل إلى مكتب ترامب بعيد أيام على دخول أميركا في الإغلاق لحثّه على إعادة فتح البلاد بحلول عيد الفصح. وإذا كان الرفع الفوري للقيود لم يحدث، فإن تشديد ترامب المتزايد على أن الوباء ليس بالأمر الخطير شجّع على احتجاجات مسلحة ضد التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، وساهم في كارثة للصحة العامة حصدت أرواح 600 ألف أميركي حتى الآن – مع حدوث 95% من الوفيات بعد عيد الفصح 2020. وبالطبع، فإن «مور» ليس خبيراً في الأوبئة، ولكنه ليس خبيراً في الاقتصاد أيضاً.

بل إنه اشتهر بين كثير من الاقتصاديين بأنه يخطئ في كل شيء تقريباً. لا أقصد أنه أخطأ في بعض التنبؤات – فذاك يحدث للجميع (وإنْ كان البعض منا يعترف بخطئه حينما يخطئ ويحاول التعلم منه). بل أقصد أنه من غير المألوف بالنسبة له أن يكون على صواب في تقديم الحقائق، أو حتى أن يتمكن من أن يكون قريباً منها.

وعلى سبيل المثال، ففي 2014 نشر «مور» كتاباً حول تداعيات خفض ضرائب الولايات، كان فيها كل رقم من الأرقام التي قدّمها مجانباً للصواب. وليس بعيداً قليلاً فحسب: فقد قام بادعاءات بشأن نمو الوظائف بالنسبة لبعض السنوات ولكنه ساق أرقاماً من سنوات مختلفة، وكانت أرقامه خاطئة كلياً. ها هو ذا «مور» إذن في لحظة مفصلية في الوباء، يحثّ ترامب على التقليل من شأن حالة الطوارئ الطبية وتعريض أرواح الأميركيين للخطر. الغريب بشأن قصة مور – ناهيك عن قرار ترامب تعيين لاري كودلو المسؤولَ الاقتصادي الأعلى، وهو المشهور بأخطائه المتكررة أيضاً – هو أن هناك عدداً محترماً من الاقتصاديين الأكفاء من الناحية التقنية، الذين كانوا سيتوقون لخدمة الحزب الجمهوري. وعلى غرار كل مادة أكاديمية، يميل الاقتصاديون إلى الحزب «الديمقراطي»، ولكنهم أقل ميلاً إليه مقارنة مع حقول أكاديمية أخرى كثيرة – فمن حيث النسبة هناك «جمهوريون» أكثر في تخصصات الاقتصاد منهم في البيولوجيا أو الكيمياء.

وبعض هؤلاء الاقتصاديين مستعدون للنيل من مستواهم في محاولة لإثبات ولائهم، مثل توماس فيليبسون، وهو أستاذ بجامعة شيكاغو عمل في «مجلس المستشارين الاقتصاديين» التابع لترامب وزعم أن ترامب لديه حدس اقتصادي «يضاهي العديد من الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل». غير أنه باعتراف فيليبسون نفسه، فإن أي أحد تقريباً لم يعمل بنصيحته. وبشكل عام، فإن اليمين الأميركي – وليس أنصار ترامب فحسب وإنما الحركة ككل – لا يثق في أي شخص أدّت كفاءته إلى سمعة مهنية مستقلة. فهو، على كل حال، لا يدري متى قد يتخذ شخص من ذاك النوع موقفاً على أساس المبادئ. وكنتُ كتبت في الماضي أن «الحزب الجمهوري الحديث لا يريد أن يسمع آراء اقتصاديين حقيقيين، مهما كانت ميولاتهم السياسية، وإنما يفضل المشعوذين والدجالين». ويبدو أن الشيء نفسه ينطبق على علماء الأوبئة.

فكراهية اليمين للدكتور أنثوني فاوتشي قصةٌ مألوفة. غير أن جزءاً كبيراً من كتاب «سيناريو كارثي» يتبع قصة الدكتورة «ديبورا بركس»، اختصاصية الصحة العامة المخضرمة، التي ترأست فريق فيروس كورونا الذي عيّنه ترامب ولجأت إلى الإطراء والتملق المحرجين في محاولة لدفع ترامب إلى التصرف بمسؤولية. في الغالب الأعم، فشلت «بركس»، ويبدو واضحاً أن دائرة ترامب الداخلية لم تثق فيها أبداً تحديداً لأنها كانت شخصاً ذا ذكاء ومعرفة ولديها سمعة لتخشى عليها.

فاستُبعدت وحلّ مكانها أدعياء يمكن الوثوق فيهم سياسياً. ولكن، كيف انتهى بنا الأمر هنا؟ وكيف أصبح أحد حزبينا السياسيين الكبيرين لا يرفض الديمقراطية فحسب، وإنما يمقت الكفاءة من أي نوع؟ لا أعرف، ولكنك إذا لم تُصب بالخوف، فربما لأنك لم تكن منتبهاً.

*أكاديمي أميركي حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»  https://www.nytimes.com/2021/07/01/opinion/republicans-incompetence.html