أثبتت التجارب التي عاشها العراق خلال السنوات الطويلة الماضية، أن الانفتاح على الجوار العربي هو المصلحة الحقيقية للشعب العراقي بمختلف توجهاته، حيث إن ما تعرض له خلال السنوات الأخيرة يمثل تدميراً منظماً للدولة ومؤسساتها من خلال أذرع خارجية، ما فتئت تعمل لمصلحة نظام غير عراقي واستراتيجيته القائمة على جعل ثروات العراق مسخرة لصالح الخارج.

وقد تسببت هذه الاستراتيجية في استنزاف العراق وإضعاف اقتصاده ومنعه من التطور والنهوض، من خلال بث الشقاق بين الاتجاهات السياسية وخلق توازنات الرعب المتمثلة بمليشيات مسلحة تحمل الولاء للخارج وتعمل على تعزيز الفساد ومنع قيام كيان سياسي سليم يسمح بنهوض العراق.

وكان لافتاً خلال السنوات الأخيرة، وبعد قيام التظاهرات التي طالبت بإصلاحات اقتصادية وسياسية وبتوفير فرص العمل للشباب، قيام مليشيات طائفية بقمع هذه التظاهرات واستهداف الناشطين وقتل العشرات، بهدف وأد هذه التظاهرات التي أشارت بوضوح إلى خطر التدخلات الخارجية الهدامة المستمرة.. وهو ما أفزع القوى التي تقف وراء هذه التدخلات ما دفعها إلى أن تأمر بالتنكيل بالمتظاهرين وقمعهم وإسكات أي صوت يشرح للرأي العام مخاطر دورها في تجويع العراقيين واستنزاف مقدراتهم، وجعل بلد بحجم العراق تابعاً لعاصمة إقليمية. ومؤخراً خرج العراقيون إلى الشوارع منددين بقطع إمدادات الكهرباء إلى العراق، ووصل الأمر إلى محاولة إغلاق أحد المعابر احتجاجاً على تردي خدمات الكهرباء المرتبطة بإيران، رغم أن العراق دفع أكثر من 80 مليار دولار منذ 2005 على قطاع الكهرباء الذي لا يزال متردياً .

والمتضرر الأول والأخير هو الشعب العراقي الذي يعاني من ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة ما يزيد في الانقطاعات المتكررة في خدمة الكهرباء من تلك المعاناة. الحضن العربي هو الحل وهو المساحة الطبيعية للعراق، فبغداد العروبة مكانها بجانب أشقائها العرب، وقد جاءت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبدالله الثاني واللقاء مع رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، لتؤكد العمق العربي للعراق ومكانته التاريخية، حيث ستؤسس هذه القمة لتعاون وتكامل خاصة في الجانب الاقتصادي والمدن الصناعية وفي مجال الطاقة (خاصة الكهربائية)، بشكل ينعكس على شعوب المنطقة، وليس كما التعاون مع طهران التي جعلت البلد سوقاً لتصريف منتجاتها، ومسرحاً لحلفائها الذين يعرقلون تطوير المشاريع الوطنية وكل ما يسهم في نهضة العراق.. وهذا هو الفارق الأساسي بين التعاون مع دول تحترم سيادة كل دولة وبين دول تتعامل بمنطق الوصاية. وكان لافتاً أيضاً وعيد وتهديد «الحشد الشعبي» العراقي الذي تلقَّى ضربات عسكرية أميركية تأديبية، حيث توجه الأنظار لدور هذا الحشد الذي يحمل الولاء المطلق لطهران، لكنه في الوقت نفسه يعمل ضمن المنظومة الأمنية العراقية ويتلقى أموالاً حكومية ويتحرك بأوامر إيرانية، وهذا ليس بخفي حيث تؤكد قياداته الولاء لطهران فيما تتحدى البلد من خلال انتهاك سيادته.

ولعل الحل الوحيد لحالة الفوضى التي يعيشها العراق هو القضاء على تلك المليشيات وضم عناصرها للقوى الأمنية العراقية، بعد تفكيك تلك المنظومة الولائية. وبحل هذه المليشيات سيتحرر العراق من الهيمنة الخارجية، وسيكون مسيطراً على مفاصل الدولة، وبذلك يستطيع القضاء على وباء الفساد، وتوجيه الدفة بشكل صحيح نحو مستقبل يليق بشعبه العظيم.