إن الحديث عن النموذج الثقافي بحلته الحالية، وسط المجتمعات الإنسانية باختلاف الأعراف والتقاليد والعادات، لا ينفك يبتعد كثيراً عن معانٍ متقاربة حتى يكاد يحدث شيء من الالتباس في التمعن بحيثياتها، مما يدعو لإيلاء توضيح المدلولات أهمية سابقة للبحث في النموذج الثقافي وليد العصر بذاته. وإذا كان المثقف، كما يرى جان بول سارتر، هو شخص يتدخل فيما لا يعنيه، ويمتلك القدرة على الجهر بالحقيقة، فالسؤال هو: هل يمثل النموذج الثقافي الجديد ملامح الثقافة بذاتها، أم الحضارة، أم ما يتداخل معهما؟ وهل الثقافة نموذج مكتمل، أم هو طور البناء، ما دام الواقع محكوماً بتقدم الزمان؟ وكيف يمكن إزاء ذلك طرح صور «الديمومة» التي يميل الكثيرون لإلصاقها في نماذج «مريحة» بالنسبة لهم، دون التنبه لأبعادها المستقبلية؟
إن ولادة أي من النماذج المتصلة اتصالاً وثيقاً بالمنظومة الفكرية، والإرادة الإنسانية وتحقيق فعاليتها، وجديتها، هي ثمرة لاحقة لخطوة سابقة لا مفر منها، متمثلة بالتخلص من آفتين رئيسيتين، أولاهما الأيدولوجيات المنحرفة، وثانيتهما المذهبيات المتخمة بنزاعات «واهمة». لكن، ألا يسوق هذا الحديث للدخول ضمن منطقة «العزل» والجمود والحصار الفكري لذات الثوابت المبنية على «متغيرات» مترسخة في قوالب سوسيولوجية تفيد بثبات هياكل الثقافات؟ إنه ذات الأمر الذي سمح بدخول الكثير من المغالطات وبناء الصور النمطية عن الشعوب والأديان والمعتقدات التي لا يمكن استمرار «دندناتها» في سيمفونية النظام العالمي الجديد الذي ابتدأ بنسف كل الاختلافات، وشق تربة «الأنا والآخر» من صلب بذرة الأنسنة وواقعها، وهو بعينه الذي سيؤول تلاشي أسوار الصور الجامدة اللصيقة بثقافات، ومجتمعات دون غيرها، لتلاشي الانعزال أو الحدود في الواقع.
وبالرغم من احترام اختلاف الأنماط الثقافية والسلوكية والقيمية، فإن ذلك لا يتضارب وواقع النظام العالمي الجديد المؤذن باستحالة استمرارية الرؤى المغلقة والمجتمعات المنعزلة، في ظل عالم تلاقح الثقافات الواسع جداً. وهو الأمر الدافع لكافة الشعوب للدخول في بوتقة الوعي المستمر، والمعرفة «النهمة»، والمشاركة الإنسانية الدافعة ببناء حضارة عالمية يمتنع في حضرتها بزوغ شق ثقافي «منعزل» عن تدفق التفاعل الأشمل.
وإن الوصول لاتفاق مسبق على «عريضة» بشرية حتمية التفاعل العالمي في ولادة النموذج الثقافي الجديد، معوزة كل العوز للحوار والنقاشات الواسعة التي تربت على قناعات الشعوب وتحترم العقول التي لن تبالي بالوسائل القابعة دون تلك التي تعكس قيم أصحابها، وتعينهم على تجاوز تحدياتهم، في ظل صون الجسر الممدود مع التاريخ، للاستمرار والتقدم نحو تحقيق الأهداف السامية.
وفي ذات الوقت، فإن لمجالات الثقافة الجديدة أساسات لا تؤمن بالنطاق الضيق، فهي توّاقة للتناغم وأفكار الأشخاص في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والإعلامية والتقنية وحتى الفنية. فالثقافة في أحد تعاريفها الأوسع، من وجهة نظر عالم الاجتماع البريطاني إدوارد تايلور، تشير للكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والأعراف والقدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف سيكون لنموذج ثقافي ساعي للنضج خلال حقبته، كأدنى تقدير، أن يتماهى ويأخذ حقه في التكون والتبلور في ظل ما يجابهه العالم من تحديات وظروف باتت أصعب مما عاشته سابقاً؟ وبخاصة في ظل مخلفات النزاعات والحروب بين المذاهب والجماعات والطوائف، والتي خلفت كتلة صلبة من القسوة والقطيعة بين التوجهات المختلفة؟
لابد أن كل ذلك يعيد الإنسان لتقليب «ألبومات» تجاربه السابقة، مستوحياً من التجربة الأوروبية، كمثال لا كنموذج، تبعات النزاعات والحروب والمعاناة الإنسانية الكبيرة، تاركةً وراء رمادها ازدهاراً ونزوعاً إنسانياً جمعياً نحو ثقافة التعاضد والتعاون والاحترام والتقبل. وهذا لا يعني تشبيه أي واقع حالي بواقع العصور الوسطى الأوروبية المغرقة في الظلام والمأساة، بقدر ما يشير لضرورة التراجع عن موقف الجمود والعزلة، نحو قرار التطور والتقدم والانتقال للعيش على «أرضية ثقافية» ترابها «الإنسانية»، وبذورها «الهوية الإنسانية الجامعة»، وثمارها مجتمعات إنسانية ذات ثقافة جديدة منيعة وقوية ضد أي من العوامل التي قد تفرقها، أو تؤثر في صيرورتها الدائمة نحو النهوض والتحسين والتقييم والتقويم وفقاً لواقعها الإنساني.
يتطلع العالم بنظامه الجديد لجدة ملازمة له في نظامه الفكري والثقافي، حاجةً لا ترفاً، وأساساً قوياً يقود البشرية نحو أمل جديد، ولإنتاج طاقة إيجابية فاعلة، وبث الشعور الجمعي الذي يتساوى تحت ظله كل «إنسان». فاتحاً ذراعيه لاحتضان الرفد الثقافي والعقلي من فكر فلسفي ومفعِّلاً للعلوم الإنسانية الملامسة لوجدان المجتمعات، وبذلك يقدر لثمار الفلسفات، والخبرات العلمية والعقلية، وللأفق الإنساني أن يتنفس الصعداء، خاطاً جهوده مداداً واضحاً على أرض اليوم، ولبنة أساس لخطة المستقبل «الأفضل». فالمستقبل كما يرى الفيلسوف الفرنسي جان نانسي، ليس ملكاً للأصوليات، بل هو فقط باحة «اللامتوقع» الممكنة التي بوسعنا التقاطها مع كل شعاع جديد، وعليه فإن الاستثمار في الأمل مهمة ثقافية ما فتئت تليق بالإنسان والإنسانية


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة