من كان يتوقع في بداية سنة 2020 ما كانت تضمره السنة؟ إنها سنة غيرت العالم والنظام العالمي والمجتمعات وطبيعة العيش كما لم يحصل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي غضون أشهر معدودات شل فيروس كورونا المستجد المدنَ والبلدان والقارات وأوقف عجلة الاقتصاد وحجر ما يزيد على أربعة مليارات إنسان في مساكنهم، متحولا بذلك إلى وباء أودى بأرواح أكثر من مليون ونصف مليون نسمة، وأصيب بعدواه ما لا يقل عن 72 مليون شخص. والظاهر أن عدد الإصابات أكثر من ذلك بكثير. وفقد العديد من الناس أحبتهم وأهليهم وجيرانهم، فيما قضى البعض أياماً وأسابيع في المستشفيات مع منع الزيارات.
ومَن كان يتصور أن التفاوت الاجتماعي المسجل منذ سنوات سيتفاقم أكثر من أي وقت مضى؟ ومن كان يتصور أن العناق والمصافحة والقبلات ستصبح مجرد ذكرى، فيما يتبادل الناس الحديث عبر الكمامات والواقيات المتنوعة؟ ومن كان يتصور أن سنة 2020 ستشل قطاعات بأكملها من الاقتصاد العالمي، وفي طليعتها الطيران وصناعة السيارات وحتى البيع بالتجزئة والشركات الصغرى والمتوسطة، وأنها ستلغي آلاف الوظائف؟ ومَن كان يتصور حجم الكارثة عندما أعلنت الصين في 31 ديسمبر 2019 عن تسجيل 27 إصابة بالتهاب رئوي فيروسي في ووهان وسط البلاد، ثم خلال أيام قليلة بدأ تسجيل إصابات في العديد من دول العالم الأخرى قبل أن تبدأ في فرض الإغلاق التام، ومع نهاية شهر أبريل كان هناك 4 مليارات شخص، أي تقريباً نصف البشرية، يعيشون في ظل الإغلاق، حيث خلت الشوارع والساحات العامة من المارة في أكثر مدن العالم حيوية وصخباً؟ 
لقد تنبأت عدد من الأفلام الهوليودية بفيروسات وأوبئة تجتاح منطقة أو مناطق من العالم أو العالم كله وتثير الرعب والهلع، مثل فلم Contagion وهو أقرب الأفلام إلى سيناريو ما يحدث اليوم بسبب فيروس كورونا. وهناك أفلام أخرى مثل فيلمThe Omega Man وفيلم World War Z وفيلم Pandemic.. لكن بمقارنتها مع جائحة كورونا سنة 2020 نجد أنه لا أحد من مخرجي أفلام السينما أصاب في خياله الفني، كما لا أحد من الاستراتيجيين قراء المستقبل تنبأ بهذا كله. كما نجد أن أكثر الدول تقدماً وغنى باتت عاجزة أمام هذه الجائحة. وبرزت نتائج النقص المزمن في الاستثمار في المنشآت الصحية مع مستشفيات تكافح من أجل استمرار عمل أقسام العناية المركزة فيها، حيث إن عدد المرضى لديها تجاوز قدرتها على الاستيعاب في دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا. بل إن دولا عظمى مثل فرنسا عانت من نقص الكمامات الطبية.
صحيح أن «كوفيد - 19» ليس أكثر الجوائح فتكاً في تاريخ البشرية، فنحن نعلم أن الطاعون في القرن الرابع عشر أودى بحياة ربع سكان العالم. وقضى ما لا يقل عن 50 مليون شخص خلال الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918 و1919، لكن مع «كوفيد - 19» يكفي المرء أن يتنفس في المكان والزمان غير المناسبين وبدون إجراءات وقائية ليصاب بالعدوى.
لم أتوقع يوماً أنني سأدرس طلبتي في الجامعة أو أشارك في المؤتمرات الدولية من البيت.. ونحن الذين اعتدنا لعقود الالتقاء المباشر بالطلبة والتجاوب المباشر مع أسئلتهم وأبحاثهم. لكن عندما تكون الجهود مشتركة فإن النتائج تصبح إيجابية بنسبة عالية.
اكشفنا سنة 2020 أن النظام العالمي مريض وأناني، وأن الدولة القومية في أزمة، وأن المرحلة المقبلة سيتغير فيها كل شيء بدءاً من أسس هذا النظام وأولويات الدول القومية بما فيها الاستثمار في الصحة والعلاقات الاجتماعية الجديدة.
وكل ذلك يوحي ببداية جدية، لأننا نؤمن بما جاءت به كل الديانات السماوية التوحيدية، حيث يقول القرآن الكريم: «إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسرا»، وذلك مع اتخاذ الأسباب الموصلة إليها بعبادة الخالق وإعمار الأرض والتعايش السلمي فيما بين البشر.