جميلة هي الدهشة الأولى، ولكنها تجيء هنا بمنحى عن دهشة الشعر والشعراء، فهي دهشة الكون بجمال ذاته، أو دهشة رؤية جبال الهيمالايا من على بعد أكثر من مئة ميل في ولاية البنجاب شمال الهند للمرة الأولى منذ عقود، يرافقها دهشة الإنسان في إدراك ظلمه الذي غالى في ممارسته، متخفياً في ظل الحداثة و«إلحاح» التطور، جائراً على الطبيعة بكل ما أوتي من إهمال. 
إن الغاية لا تبرر الوسيلة؛ إذ أن الغاية هنا ستقتل وسيلة عيش الإنسان نفسه، وتحرم الأجيال القادمة من التنعم بما أوجده الله للبشرية، لا لحقبة دون الأخرى. فبمرور فترة الحظر المنزلي الذي فرضته جائحة كوفيد-19، التي شكلت قطعة ثابتة بين صفحات التاريخ الإنساني، عاش كوكب الأرض فترة نقاهة و«فلترة» إجبارية، جالبةً معها صور أقمار اصطناعية مفارقة لما كانت عليه من أشهر قليلة، وانحدار حاد في نسب الغازات السامة، والأبخرة المسؤولة عن ثقب الأوزون، التي كانت اتخذت سبيلها في غلاف الجو سرباً!
ولنا أن نتأمل النتائج الصادرة عن مركز البحوث المناخية الدولية في أوسلو (CICERO)، التي أفادت بأن ما شهدته الصين فقط، من انخفاض في منسوب تلوث الهواء يقترب من 20 إلى 30 في المائة في غضون أول شهرين من مواجهة كورونا، مما يعني تفادي من 50 إلى 100 ألف حالة وفاة مبكرة داخل الصين وحدها. 
وربما يتفاخر الإنسان فوق بعض المنصات على ما حققت الطبيعة، باستغناء تام عنه، من غنائم خلال هذه الفترة، ولكن يبقى المطلوب الحقيقي بالواقع هو مقابلة «الأم» الأرض بما تستحق من بر، فكما اعتادت على العطاء دون مقابل، لابد من مبادرتنا بتخفيف إجهادنا «السام» لها، من خلال انتهاج السلوكيات والتصرفات المسؤولة، من منطلق الوعي البيئي، لا الحجر، أو الحظر الإلزامي، فمعظم ما سُجل من ارتفاع نسب تحسن جودة الهواء، وتراجع نسب تركز غاز ثاني أكسيد النيتروجين، وانبعاث ثاني أكسيد الكربون، وتراجع الصيد الجائر للحيوانات البرية، وازدياد مستوى نقاء المياه، صاحبه تسجيل زيادة حادة في المخلفات البلاستيكية، وتراخٍ في الالتزام بالمعايير البيئية، وتجاهل لقضية التغير المناخي، والبيئة برمتها، التي كانت مطروحة وبقوة على الساحة العالمية قبل ظهور فيروس COVID -19، مما يدل على أنه – وللأسف- قد تم تسجيل المؤشرات الإيجابية بعيداً عن الإرادة البشرية، مع أن تلك المؤشرات المبشرة لن تستمر لفترة طويلة، بعد عودة محرك الحياة لما كان عليه.
إن صعود «سهم» البيئة لابد من مرافقته لصحة وسلامة الإنسان لا العكس، إذ يجب القفز عن هذه الإشكالية من خلال طرح عقد قوي بين الطرفين، وتوقيع هدنة طويلة الأجل بين الإنسان وكوكبه، وهو ما دعا إليه الفيلسوف الفرنسي «ميشيل سيرس» في كتابه «العقد الطبيعي»، إضافةً للزوم المواجهة الجادة والحازمة تصغي لنداءات المنظمات والجهات المعنية، ذلك أن العلاقة المتبادلة بين الأرض والإنسان هي علاقة تكاملية تكافلية تعاونية، فصون مقدرات الطبيعة واحترام ممتلكاتها، تماماً كحرمة أعضاء الجسد الإنساني، يدفع بصون النفس البشرية، وتوفير بيئة ملائمة تعود عليه بكل الأحوال بالنفع. وترفع من محققاته في القطاع الاقتصادي، والصحي، السياحي الترفيهي. فيكفي الوقوف على حقيقة وفاة سبعة ملايين شخص سنوياً، حول العالم بفعل تلوث الهواء، مما يفضي لوجوب واضطرار في مواجهة الفساد المتطفل على الطبيعة، بشراسة توازي إرادتنا في القضاء على الفساد الإداري، أو السياسي، وغيرهما. يقول الله سبحانه و تعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». سورة الأعراف الآية 85.