لم يكن جديداً أن تتبادل الولايات المتحدة وإيران التحذيرات. الجديد هو اللهجة التهديدية والمضمون الذي انطوى على «أوامر» أعطيت للتدمير من الجانب الأميركي وللاستهداف من الجانب الإيراني. أما مسرح العمليات فهو مياه الخليج وليس الساحة العراقية. لم يقل أي من الطرفين هذه المرّة أنه «لا يريد مواجهة» ولا يسعى إليها، كما اعتادا، وإنْ كانت «الأوامر» مشروطة بـ «إذا...» أقدم الطرف الآخر على التحرّش أو الاستفزاز، ما يمكن أن يضمر عدم الرغبة في صدام عسكري.
ليس واضحاً ما إذا كانت هناك أهداف محدّدة لاقتراب زوارق إيرانية الى مسافة «خطيرة» من سفن أميركية، وهل كان استعراضياً فقط أو لاختبار رد الفعل، لكنه ليس «روتينياً» فقد مضت شهور طويلة من دون أي حادث في تلك المنطقة، ولا يمكن القول إنه غير متعمّدٍ إيرانياً، فثمّة أسبابٌ وذرائع قائمة ولم تتغيّر: العقوبات الأميركية التي توعّدت طهران بكسرها ولم تتمكّن من ذلك، والوجود الأميركي في مياه الخليج وقد دأبت طهران على اعتباره استفزازياً وغير مقبول.
يُذكر أن جدلاً شغل عواصم كثيرة ورافق سعي واشنطن إلى بناء تحالف لتأمين ناقلات النفط وسلامة الملاحة في الخليج، وقابلته إيران بتهديدات أثارت فيها مسألة «سيادتها» البحرية، فيما حاججت الدول الأخرى بما فيها تلك رفضت الانضمام الى التحالف الأميركي المقترح بأن المياه الدولية وأمن المضائق شأنان دوليان. في ما بعد خمد الجدل تلقائياً وبدا أن إيران تخلّت عن التوتير البحري للاحتجاج على العقوبات، لكنها ركّزت عبر وكلائها في العراق واليمن على أهداف في السعودية إلا أن ضرب منشآت أرامكو لم يحقق لها الأهداف التي توخّتها.
لذلك أصبح البديل استهداف قواعد عسكرية عراقية تستضيف قوات أميركية، وكان المبرّر أولاً الردّ على ضربات تعرضت لها مقارٌ عدّة لميليشيات «الحشد الشعبي» وبقي مصدرها مجهولاً لكن تردّد أنها إسرائيلية. لكن هذا الخيار تدحرج ككرة الثلج وأودى بحياة قاسم سليماني مع القائد العسكري لـ «الحشد»، فأصبح المبرّر عندئذ انتقامياً، ثم استراتيجياً يرمي الى «طرد الأميركيين» من عموم المنطقة. قبل ذلك وفي غضونه كانت الردود العسكرية الأميركية شديدة، فيما كانت الساحة العراقية تشهد متغيّرات عميقة غير مؤاتية للنفوذ الإيراني، سواء على المستويين الشعبي والاجتماعي أو على الصعيد السياسي. وإذ ترافقت إعادة تموضع القوات الأميركية وانسحابها من معظم القواعد، مع اختيار رئيس جديد للوزراء من خارج الوسط الموالي لإيران، فقد تراجع رهان طهران على استهداف الأميركيين في العراق.
قد يكون حادث الزوارق مؤشراً لاستعادة خيار التوتير في مياه الخليج، خصوصاً أن جهود إيران ودول أخرى بينها روسيا لم تفلح في توظيف جائحة «كورونا» للضغط على واشنطن كي ترفع العقوبات أو تخففها. غير أن التصعيد بات ينذر، منذ اغتيال سليماني، بمواجهة مباشرة، فأي خطوة غير محسوبة بدقّة يمكن أن تشعل حرباً. كان واضحاً أن كلّاً من الطرفين أراد تحذير الآخر بأنه قادر على ردعه، وهذا اختبار خطير يُفترض عدم الانزلاق إليه. لكن ما يثير القلق أن صعوبات مواجهة الوباء في الولايات المتحدة معطوفة على ظروف الانتخابات الرئاسية قد تغري طهران بالذهاب الى أقصى التصعيد بهدف تقويض حظوظ دونالد ترامب.
*محلل سياسي- لندن