في غيابه، اتبعت حكومة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون استراتيجية الإغلاق التي أقرها قبل إصابته بفيروس كورونا. ويأمل الكثيرون في أنه سيعود قريباً إلى العمل ويغير المسار، وأنه سيحتفل بانخفاض منحنى العدوى ويعيد فتح بريطانيا للعمل. لكن مِن غير المرجح أن تمضي الأمور بهذه الطريقة.
صحيح أنك تقريباً تتوقع أن يغير جونسون السرد. فأسلوب عمله طوال حياته المهنية هو حماسه السريع. فالسياسي الذي طرد «السلبيين والمتشائمين» حيال بريكست، وشجّع شعار الحملة («استعادة السيطرة» و«تنفيذ بريكست») ربما كان من المتوقع، قبل مرضه، أن يجعل «رفع الإغلاق» هو شعاره.
وحتى لو كان جونسون يبدو إلى حدٍ كبير، كما هو عندما يعود إلى العمل بدوام كامل، فإن تجربة المرض الخطير والإجازة المرضية بالتزامن مع وفاة الآلاف، يجب أن تكون قد أثرت على شعوره بالمسؤولية. وغالباً ما كان جونسون يستخدم خدمة الصحة الوطنية، كسند، عند طرح الأدلة التي تعضد قضيته بشأن بريكست وحملته الانتخابية (وقال: إن ترك أوروبا سيوفر المال اللازم لإنفاقه على الرعاية الصحية). ألن يفعل الآن ما هو أكثر من ذلك لدعم خدمة تفتقر إلى التمويل والتجهيز والتي يدين لها بالفضل في إنقاذ حياته؟
بالتأكيد، لن يكون هناك اندفاع فوري لتخفيف قيود الإغلاق. وقد قام وزير الخارجية «دومينيك راب»، المنتدب للقيام بمهام جونسون، بتمديد الإجراءات لثلاثة أسابيع أخرى. ومع ذلك، مع بدء الدول الأخرى في تخفيف القيود، سيزداد الصخب في بريطانيا أيضاً.
وكان «راب» قد أعلن في الأسبوع الماضي عن خمسة اختبارات ستحدد توقيت إعادة فتح المملكة المتحدة. أول ثلاثة منها هي اختبارات واضحة إلى حدٍ ما: يجب أن تكون الحكومة واثقة من قدرة خدمة الصحة الوطنية على توفير رعاية كافية في جميع أنحاء البلاد، ويجب أن يكون هناك انخفاض مستمر في معدل الوفيات اليومي، ويجب أن يكون هناك دليل على انخفاض معدل الإصابة.
أما الاختبار الرابع – وهو الثقة في أن إمدادات معدات الاختبار والحماية الشخصية للعاملين في المجال الطبي قادرة على تلبية الطلب – فهو أكثر غموضاً. تقوم المملكة المتحدة بزيادة الاختبارات، أخيراً، لكنها ما تزال بعيدة جداً عن نوع الأنظمة المعمول بها في دول شرق آسيا التي قمعت انتشار الفيروس بسرعة، بما في ذلك تتبع الاتصال. وتتقدم ألمانيا في هذا، أيضاً. فالنقص في معدات الوقاية الشخصية، والذي يعد أحد المآسي غير الضرورية لهذا التفشي، لا يزال قائماً، كما أشارت الجمعية الطبية البريطانية والأطباء البريطانيون مراراً وتكراراً. ومع ذلك، فإن الهدف الرابع لوزير الخارجية لا يحدد مستويات الاختبار ومعدات الوقاية الشخصية التي يتعين تسليمها.
وحتى إذا تمكنت الحكومة من علاج هذه المشاكل، فإن الاختبار الخامس هو أنه لن يكون هناك خطر من حدوث ذروة ثانية في الإصابات جراء تخفيف الإغلاق. وفي حين أن جونسون مقامر سياسي يفضل الضربة الجريئة، فإنه بالتأكيد لن يفتح أبواب السد ويسمح لموجة جديدة من العدوى بإزالة الاستقرار الذي بُني من خلال التباعد الاجتماعي والنشاط المحدود. وفي الواقع، فقد ذكرت «بلومبيرج نيوز»، الاثنين الماضي، أن جونسون في محادثاته مع أعضاء الحكومة، شدد على توخي الحذر.
وستوفر النماذج التي تم تحديثها، بناءً على بيانات الإصابة الحديثة، بعض أسس الحكم، لكن الضمان ضد الموجة الثانية الخطيرة من كوفيد -19 سيتطلب وجود لقاح أو اختبار على نطاق واسع وتتبع الاتصال. أي من هذين سيكون متاحاً على وجه التأكيد، الأمر الذي يشير إلى أن تدابير التباعد الاجتماعي من نوع ما، ستكون موجودة لبعض الوقت.
وقال تقرير صدر يوم الاثنين عن «معهد توني بلير للتغيير العالمي»، إنه بما أن الإغلاق التام ليس مستداماً، يجب أن تستخدم الحكومة مقاييس صارمة لاختباراتها الخمسة والتحرر من الإغلاق تدريجياً. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تحدد أنه إذا كان هناك أقل من 500 حالة جديدة يومياً، وأن القدرة على إجراء الاختبار قد توسعت لاستيعاب أكثر من 100.000 شخص يومياً، وأن تتبع الاتصال بات واسع الانتشار، فيمكن حينئذ تهيئة الظروف للعودة إلى مكان العمل بالنسبة للأفراد خارج الفئة المعرضة لخطورة عالية وإعادة فتح المدارس. إنه ليس اقتراحاً سيئاً. لكن مسائل مثل وضع الحدود وكيفية إدارة تعقيدات القيود.. هي في النهاية قرارات سياسية لجونسون وحكومته.
هناك ضغط مستمر لإيجاد طريقة للتخفيف. ووفقاً لتقديرات مكتب مسؤولية الموازنة، سيكون هناك انخفاض كبير في الدخل القومي، خلال الربع الثاني من العام، إذا استمر الإغلاق حتى يونيو. ومن المتوقع أن ترتفع البطالة بواقع مليوني شخص، لتبلغ 10% بعد أن كانت قد سجلت أدنى مستوياتها التاريخية. قد تكون هذه الضربة مؤقتة، لكن كلما طالت فترة الإغلاق الاقتصادي، زاد خطر الضرر الدائم.
وهناك أيضاً تأثير على قطاعات الأعمال التي أراد جونسون «رفع مستواها»، لمساعدة مجتمعات الطبقة العاملة، من خلال الاستثمارات الجديدة والإنفاق على البنية التحتية. وإذا تم رفع القيود وفقاً للفئة العمرية، فهناك أسئلة حول كيفية تطبيق ذلك. وسيتعين على جونسون إيجاد طرق لإعادة تشغيل الاقتصاد.
وسيكون لهذه القرارات تأثير عميق، ليس فقط على مكافحة وباء كورونا، ولكن أيضاً على الانتعاش الاقتصادي وكيفية إعادة تعريف السياسة من خلال هذه الأزمة.

*كاتبة متخصصة في الشؤون الأوروبية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»