لم تُحدث هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية أثراً يُذكر في اقتصاد الولايات المتحدة، وأنماط حياة الأميركيين، بخلاف فيروس كورونا المستجد الذي بدأت تداعيات انتشاره في الظهور، ويُتوقع أن يؤدي إلى كساد كبير، وتغيير ملموس في التفاعلات المجتمعية على مستويات عدة. فقد أصبحت الولايات المتحدة منذ آخر مارس الماضي في صدارة الدول المتأثرة بالفيروس المُميت من حيث أعداد المصابين والمتوفين، الأمر الذي تسبب في حالة ذعر، وفرض اتخاذ إجراءات لمواجهة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأميركي. وفي منتصف أبريل الجاري، كان في الولايات المتحدة حوالي رُبع أعداد المصابين بالفيروس في العالم.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كورونا الذي يُرهب الأميركيين وغيرهم في العالم اليوم، أشد خطراً من الإرهاب المسلح المستتر وراء الدين والعقيدة، حتى إذا بدا أنه لا يقل إرهاباً في الوقت الراهن، بل قد يظن كُثر أنه يزيد.
صحيح أن خطر هذا الفيروس أعظم في الوقت الراهن من أي تهديد آخر في الولايات المتحدة، وكثير من دول العالم. لكن هذا الخطر سينتهي بعد أسابيع أو أشهر، بخلاف الإرهاب المسلح الذي يُعد التهديد الأطول مدى في العصر الحديث.
ولذا، يتعين ألاَّ نغفل، عند المقارنة بين كورونا والإرهاب المسلح، المدى الزمني للخطر الذي يمثله كل منهما. وتذكر هذا الفرق، والتذكير به، ضروري في ظل انشغالنا المتواصل والمتزايد بالفيروس الذي «حبس» نحو نصف سكان المعمورة في منازلهم، وفرض عليهم اتخاذ إجراءات احترازية بالغة في التفاعلات بينهم، وحرم ما يقارب ملياري طالب من الذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم.
وليس واضحاً هل يدرك الأميركيون الذين يُصاب آلاف من ذويهم بالفيروس ويموت مئات منهم كل يوم بسببه، هذا الفرق وهم في ذروة خوف لم يشعروا بمثله إلا لساعات قليلة على الأكثر عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية. فقد يوحي إغفال البُعد الزمني بأن خطر الإرهاب يتضاءل بجوار كورونا، بدءاً من عدد الضحايا، ووصولاً إلى التداعيات الراهنة، وتلك القادمة التي يصعب توقع المدى الذي يمكن أن تبلغه.
كان عدد ضحايا الهجمات الإرهابية الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة 2977، بينهم 266 في برجي مركز التجارة العالمي ومحيطهما، و625 في مقر وزارة الدفاع (البنتاجون)، و265 كانوا على متن الطائرات الأربع المخطوفة التي استُخدمت في الهجمات بأسلوب العمليات الانتحارية.
أحدثت تلك الهجمة هزة عنيفة في المجتمع الأميركي، لأن الهجمات الإرهابية كانت مفاجئة تماماً، وبدت غير مفهومة إلى أن عُرف ما حدث. ولعل أكثر ما أثار الخوف في أوساط الأميركيين مشهد اشتعال النيران في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك التي تُعد أكثر الولايات الأميركية تضرراً من فيروس كورونا الآن.
لكن هذا الخوف أخذ في الانحسار بسرعة، رغم أن تلك الهجمات نقلت الإرهاب إلى مرحلة جديدة، ودشنت عولمته. فقد أصبحت آثارها خارج الولايات المتحدة أكبر من تداعياتها الداخلية. وبعد أن شنت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بسببها حربين في أفغانستان والعراق، وأقامت تحالفاً دولياً ضد الإرهاب، وتمت إعادة بنائه على نطاق أوسع بعد ظهور تنظيم «داعش» قبل أعوام.
وربما كان أهم التداعيات الداخلية لتلك الهجمات، إصدار قانون مواجهة الإرهاب «باتريوت أكت» الذي أعطى الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي صلاحيات واسعة تتعارض مع الدستور الأميركي في التعامل مع المشتبه بهم، مثل مراقبة اتصالات المواطنين، والتنصت على مكالماتهم، وتفتيش مقتنياتهم الشخصية، وغيرها، حتى إذا لم تكن هناك أدلة تدينهم.
لكن معظم الأميركيين لم يشعروا بأن شيئاً تغير في حياتهم، لأن أعداد من طبق عليهم «باتريوت أكت» كانت محدودة. كما كان مسلمون وذوو أصول عربية اشتُبه في بعض تصرفاتهم هم أكثر من طُبق عليهم. ورغم نجاح السلطات الأميركية في مواجهة الإرهاب داخلياً، لم تمنع حربها ضده في العالم انتشاره وازدياد خطره، الأمر الذي فرض عليها مواصلة هذه الحرب على مدى يقرب من عقدين، بكل ما ترتب عليها من تكلفة باهظة حاولت إدارة دونالد ترامب، وما زالت، أن تقللها.
ولا يتيسر الآن إجراء مقارنة بين هذه التكلفة، والتداعيات الاقتصادية للإجراءات المتخذة لمواجهة كورونا، لأنها ما زالت مستمرة. لكن يتعين الانتباه إلى أنه لتكلفة كورونا نهاية قريبة يبدأ بعدها العمل من أجل تعويضها، في حين أن تكلفة مواجهة الإرهاب المسلح لا تبدو لها نهاية.

*مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية