إبراهيم سليم (أبوظبي) 

أكد معالي العلامة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في الكلمة التأطيرية التي افتتح بها الأعمال الافتتاحية للمُلتقى السّابع لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة: «قيم عالم ما بعد كوفيد: التضامن وروح ركاب السفينة»، أن المنتدى هذه السنة يأتي في سياق التّحديات الوجودية التي تواجه الإنسانية جمعاء، جراء هذا الوباء الذي غيّر برامج وخطط البشرية، وأعاد ترتيب أولوياتها وسَاءَلَ توجّهاتها القيمية.
وأكد معاليه أن روح ركاب السفينة حاضرة بقوة في رؤية الإمارات واستراتيجيتها لمواجهة تداعيات هذه الأزمة العالمية، من خلال الدور الريادي البارز الذي اضطلعت به في التضامن مع البلدان المتضررة من هذا الوباء دون النظر إلى دينها أو عرقها، جاعلةً من إغاثة الإنسان حيثما كان البوصلةَ والهدف الأسمى لجهودها.
وقال إن منتدى تعزيز السلم يطمح بدعوته لهذه النخبة من أرباب الفكر المبدع والنظر المثمر من الحكماء والعلماء من أهل الاختصاصات المختلفة، من خبراء الصحة في المنظمات الدولية، وكبار صناع القرار وعلماء الاجتماع، والعلوم الإنسانية، والقادة الدينيين، بدعوته لهؤلاء جميعاً يطمح المنتدى أن يرسم ملامح رؤية جديدة تعيد ضبط التوازن بين الكليات بشكل يضمن منظومة علاقات دولية أكثر إنسانية، ومنظومة اقتصادية أكثر مساواة ورحمةً، منظومة تتخذ الإنسان غاية، فتركّز على تنمية الحياة والإنسان والبيئة، وتستثمر في تعزيز السلام.
وقال معاليه: «ليست جائحة (كورونا) هي أول أزمة تجتاح العالم، فلقد عرفت الإنسانية في تاريخها الطويل، القريب منه والبعيد، عدداً كبيراً من الأزمات المتنوعة الأشكال والمختلفة الأسباب، ولكن لهذه الأزمة فرادتها في العصر الحديث، لما امتازت به من شمول آثارها وتعدد تجلياتها في مجالات ومناحي الحياة المختلفة، إنها أزمة في ضمنها أزمات». 
وقال: «إنها أزمة المفارقات وتدبير التّجاذبات، فقد وجدت البشرية نفسها على حين غرّةٍ، مطالبةً بالبحث عن الموازنات الدقيقة، الهشة والاستعجالية بين مجموعة من المتناقضات، بين الفاتورة الصحية والفاتورة الاقتصادية، فأيهما يقدّم: حفظُ النّفس أو تنمية المال، بين منطق البحث العلمي القائم على التعاون والتلاقح المعرفي ومنطق السوق المرتكز على قيم التنافس والاحتكار، بين الدولة الوطنية التي استعادت مركزيَّتها وأثبتت ضرورتها ونجاعتها، وبين التعاون الدولي في العالم المفتوح تأكّد للجميع أنه هو السبيل الأوحد للخروج من الأزمة، بين كلي النفس وكلي الدين، فالمؤمنون من كل الأديان ألزمتهم الجائحة بالتخلي عن بعض ممارساتهم وشعائرهم الجماعية، تغليباً لقيمة الحياة التي جاءت هذه الأديان نفسُها بحفظها ورعايتها».
وقال إننا نؤمن بأن هذه الأزمة وإنْ حملت ما حملت من التحديات وأوقعت ما أوقعت من الخسائر، إلا أنها كذلك تفتح قدراً كبيراً من الأبواب على المستقبل، وتتيح عدداً من الفرص والإمكانات، للإصلاح والمصالحة، لمن يستخلص العبرة ويمعن الفكرة، وهي مناسبة نادرة لاكتشاف أنفسنا، نحن أبناء البشر، لاكتشاف مكامن الخير المطمورة وقيمنا الضامرة، لاستعادة روح الإنسان المنطلق نحو المطلق، المتحرّر من قيود ذاته، وحدود أنانيته، وللتخلص من المنطق المعوجّ لصراع الخصوصيات، ولوقف تيار العنف الهدّام والوقوف في وجه الحروب المدمرة.
وأشار إلى أن الملتقى هذه السّنة يستشرف إمكانيات تطوير قيم كونية مشتركة أقرب إلى الإنصاف والتضامن والأخوة الإنسانية، بروح جديدة هي روح أصحاب السفينة، ولذلك اخترنا له شعار: «قيمُ عالم ما بعد كورونا: التضامن وروح ركاب السفينة»، تلك السفينة هي سفينة الإنسانية التي ضرب بها النبي، صلى الله عليه وسلم، المثل في الحديث الصحيح «مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا»
ففي هذا الحديث استعارة رمزية بليغة لحالة الإنسانية، في اتحاد مصائرها وتواشج مساراتها، وتشبيه لها بركَّاب السفينة الواحدة، والتي - وإنْ كانت ذات درجات متفاوتةٍ - إلا أنها في النهاية محكومة بمسار واحد ومحكوم عليها بمصير واحد.