الثلاثاء 28 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا
التجسس الرقمي.. إخفاقات كارثية
التجسس الرقمي.. إخفاقات كارثية
21 مايو 2022 01:57

محمد وقيف

خلال ما يسميه الصينيون، «حرب تحرير الوطن العظيم»، أو ما يسميه الأميركيون «الحرب الكورية»، قصفت قاذفات القنابل الأميركية جسراً للسكك الحديدية يصل ضفتي نهر يالو بين مدينة داندونج الصينية وبلدة سينيجو في كوريا الشمالية. وعلى مدى عقود طويلة، أبقت السلطات الصينية على ذلك الجسر في الحالة التي هو عليها، مجمداً على شكل قضبان حديدية ملتوية وخرسانة مهشمة.
«الجسر المكسور» يمثّل تذكيراً مرئياً، ليس بالاعتداء الأميركي فقط، وإنما بفشل استخباراتي أميركي فادح: فمسؤولو الاستخبارات الأميركية كانوا متأكدين أن الصين لن تدخل الحرب أبداً، لكنهم كانوا مخطئين. ذلك أن الجنود الصينيين كانوا عبروا النهر وأخذوا مواقعهم في كوريا في انتظار القوات التي تقودها الولايات المتحدة. وعندما بدأ القتال، قصفت الطائرات جسر السكك الحديدية لمنع الصين من إرسال تعزيزات. لكن الأميركيين كانوا مخطئين في ذلك أيضاً. فالجنود الصينيون لم يكونوا في حاجة للجسر في الواقع لأنهم قاموا بعبور النهر المتجمد سيراً. 
في كتابها الجديد «جواسيس وأكاذيب وخوارزميات.. تاريخ الاستخبارات الأميركية ومستقبلها»، تقدّم الأستاذة بجامعة ستانفورد والخبيرة في الاستخبارات «إيمي بي. زيغارت» تاريخاً شاملاً لأجهزة الاستخبارات الأميركية، إضافةً إلى شذرات تساعد على وضع الأحداث في سياق جديد. 
زيغارت تشرح أن ما حدث في نهر يالو في الخمسينيات يمثّل نموذجاً لتحليل استخباراتي ضل الطريقَ وحادَ عن الهدف. فقد خلصت وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات العسكرية الأميركيتان إلى أنه ليست لدى الصين أي رغبة في حرب مع الأميركيين، وكان الجنرال الأميركي دوغلاس ماكارثر جد مقتنع بما قاله للرئيس آنذاك هاري ترومان من أن الجنود الأميركيين سيعودون للبلاد قبل عيد الميلاد. لكن «الجنود الصينيين كانوا مختبئين ولم يتم رصدهم لشهر.. فكان التأثير مدمراً، إذ في غضون أسابيع خسرت القوات الأميركية آلاف الرجال ومئتي ألف ميل من الأراضي، والامتيازات الكثيرة، في الحرب الكورية». 
واعتبرت زيغارت أن ماكارثر وقع ضحيةَ مجموعة من العوامل، إذ كتبت تقول: «لقد سمح للتفاؤل بأن يغشي على تقييمه للحقائق، ورفض الدلائل المخالفة لمعتقداته السابقة، وشكّل حولَه فريقاً لا يقبل الآراء المخالفة».
 وأضافت: «إن أهم درس من حرب كوريا ليس أن ماكارثر أخفق بطرق فريدة من نوعها، وإنما كونه أخفق بطرق عادية. إن المرشحات الإدراكية التي يستخدمها كل البشر لمعالجة المعلومات يمكن أن تقود حتى أكثر القادة تصميماً في أهم اللحظات إلى الفشل». 
زيغارت تكشف أن الدافع الذي دفعها إلى تأليف الكتاب أتى من إحدى الأقسام التي تدرسها، إذ وجدت أن لدى طلابها معلومات قليلة ومغلوطة حول كيفية اشتغال أجهزة الاستخبارات، وأن الأشياء القليلة التي يعرفونها مصدرها أفلام جاسوسية هوليوودية مثل سلسلة أفلام «جايسون بورن» ومن التلفزيون. وكان هدف زيغارت تصحيح هذه المعلومات. غير أنها بينما انبرت لتأليف الكتاب، تبدّل العالم، إذ تغيرت التكنولوجيا، وأتاحت المعلومات مفتوحة المصدر والبيانات بشكل عام للخصوم مجموعةً جديدةً من الأدوات، فأُرغمت أجهزة الاستخبارات على التأقلم والتكيف. ذلك أنها لم تعد قادرةً على التركيز على الجغرافيا السياسية والموارد البشرية، وبات عليها الآن أن تفهم تكنولوجيا الشركات الخاصة ومنصات التواصل الاجتماعي التي ما فتئت تتطور. 
وتوضح زيغارت أنه في هذا العصر الجديد طوّرت الدول الأعداء والمنظمات الإرهابية أساليبَها. إذ باتت الآن «تقرصن كلاً من الآلات والعقول»، في وقت «بات فيه الذكاء الاصطناعي يخلق فيديوهات التزييف العميق، الواقعية جداً لدرجة أنه قد يكون من المستحيل رصد زيفها. والحال أنه لم يسبق لأي مجموعة تهديدات أن تغيرت بمثل هذه السرعة الكبيرة وتطلبت الكثير من المعلومات الاستخباراتية».

جوهر الخداع تغير
تعتبر زيغارت أن جوهر الخداع تغير. فإبان الحرب الباردة، كان الجنود الصينيون يقلبون معاطفهم حتى لا يتم رصدهم في المرتفعات المغطاة بالثلوج بالقرب من نهر يالو، وأطلق السوفييت «إجراءات نشطة» أو حملات شائعات تهدف إلى زرع الشك. غير أن عمليات المعلومات عالية التقنية اليوم تجعل تلك الجهود السابقة تبدو تافهة.
«جواسيس وأكاذيب وخواريزميات» كتابٌ يشرح كيف تواجه أجهزةَ الاستخبارات تحدياتُ العصر الرقمي. فأجهزة الاستخبارات مطالَبة بإيجاد مكان لها في عالم ربما لم تعد فيه الكثير من أفضل المعلومات الاستخباراتية سريةً أو خاضعةً لرقابة الحكومة. بل يمكن القول، إن الكشف عما تعرفه الأجهزة قد يكون مهماً أهمية ما لا تعرفه. وفي عالم حيث يمكن أن تؤدي التصورات الخاطئة وحالات سوء الفهم إلى إخفاقات كارثية، تُعد الحقيقة مرة أخرى سلاحاً قوياً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©