الإثنين 6 فبراير 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

فلسفة كرة القدم

فلسفة كرة القدم
8 ديسمبر 2022 01:17

الفاهم محمد

لعل ما يميز الفلسفة المعاصرة ليس البحث عن البناءات الميتافيزيقية المتراصة، أو الأنساق الفكرية المتماسكة، بل الرغبة في فهم ظواهر العالم المعيش. فمنذ كانط أضحت الفلسفة ممارسة نقدية، أكثر مما هي مذاهب فكرية مغلقة. وعليه فقد انفتح التفكير الفلسفي، كي يقارب ضفافاً وهوامش أخرى، ظلت مغيّبة لأمد طويل في الفكر الكلاسيكي، مثل السينما، والفنون التشكيلية، والموسيقى، والأدب... وغيرها. ولكل هذه الاعتبارات لا يمكن للفكر الفلسفي المعاصر أن يتجاهل ظاهرة اتخذت أبعاداً كونية، وشكلت شغفاً عالمياً، حرك قلوب الصغار والكبار معاً هي ظاهرة كرة القدم.
فهل تستحق كرة القدم أن نتناولها كموضوع فلسفي؟ وهل هي تستجيب للتنظير المفاهيمي؟ وأي معانٍ فلسفية إذن يمكن أن تختفي وراء لعبة أثبتت حضورها القوي في مجتمعاتنا؟

يحق لنا إذن أن نتساءل عن الأساس الجوهري الذي تخفيه لعبة كرة القدم. قد تبدو الظاهرة من الناحية العامة، أنها مجرد لعبة للتسلية، وأنها سهلة الفهم. غير أنها سهولة مخادعة، وكما قال اللاعب الهولندي الشهير يوهان كرويف: «كرة القدم بسيطة، ولكن من الصعب لعبها بشكل بسيط». ولهذا السبب فإن تأملاً حصيفاً لهذه اللعبة، يكشف لنا أنها لا تخلو من عمق معرفي.

لعبة الحياة
وعبر التاريخ، كانت كل الألعاب التي ابتكرها الإنسان خلال مراحل تطوره الحضاري، تكشف عن درجة الوعي التي بلغها، ليس فقط على المستوى المعرفي، بل أيضاً على المستوى الأخلاقي والقيمي. إن ألعاب القوى اليونانية مثلاً، والمجالدة الرومانية، والمسايفة (المبارزة) البورجوازية، إضافة إلى ألعاب الورق والحظ في المجتمعات المعاصرة، كلها تعكس العمق الاجتماعي والحضاري والقيمي للإنسان.

زخم رمزي
وهكذا إذن كانت ألعاب القوى اليونانية، تعكس بحث اليونان عن الكمال المثالي للجسد الجميل. والمجالدة الرومانية لم تكن إلا تجسيداً للشجاعة، كفضيلة عسكرية للجندي الروماني، الذي يزدري الموت ويطلب القتال حتى يلقى حتفه. أما المسايفة الرومانية، فما هي إلا صورة للنبيل البورجوازي، الباحث عن شرف الانتماء للطبقة الأرستقراطية المتعالية.
وبالمثل كذلك لن تكون لعبة كرة القدم، إلا صورة مختصرة للحياة، كما تجلت في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، بكل تناقضاتها ومفارقاتها. يقول بيير دوكوبرتان مؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة: إن «المحاكاة هي جوهر كرة القدم». بمعنى أن اللعبة برمتها، ما هي إلا انعكاس لطبيعة الحياة الاجتماعية، بكل زخمها الرمزي. الحياة الباحثة عن الحق والمساواة. ونقول «الباحثة» أي إنها تسعى نحو تحقيق شيء، كمشروع مأمول، كاختراع دائم للعدالة. بمعنى أن كرة القدم قد تعكس أيضاً أحياناً العنصرية والتحيز، والأخطاء التحكيمية، وربما بعض التلاعبات الخفية وراء الكواليس!

تمثُّـل للعالم
وكل عصر ينتج الألعاب التي تعبر عن جوهره، وعصرنا هذا أنتج كرة القدم، بما هي محاولة لإعادة تمثيل للحياة، بالشكل الذي يطمح إليه الإنسان. فإذا كان الواقع محبطاً، فإننا نسعى إلى أن تكون المباراة، شكلاً من أشكال التعالي، كمحاولة لتجاوز هذا الإحباط. رغبة في إعادة بناء علاقتنا بالعالم.
وفي ألعاب الفيديو نلعب من أجل التسلية. أما في كرة القدم، فنحن نلعب من أجل شيء أكثر من ذلك بكثير. إنه التعويض، خلق واقع جديد نغوص فيه بعيداً عن الانكسارات التي خلقتها الحداثة. البحث عن العفوية والبراءة، والعدالة في هذا العالم. وبهذا المعنى نتحدث عن كرة القدم باعتبارها لعبة شعبية، أي لعبة تنتمي إلى الهامش، وقد نفرح كثيراً عندما ينتصر فريق متواضع، على فريق ينتمي إلى المركز. لأن في هذا الانتصار رسالة رمزية مبطنة، تنتقد وهم استعلاء هذا المركز.

الغموض والمفارقات 
ودعونا نؤكد أن كرة القدم لعبة شاملة، أي أنها اللعبة التي تنعكس فيها بشكل فريد، العديد من الألعاب الأخرى. إضافة إلى أنها لعبة المفارقات، التي تعمل جاهدة على إذابتها داخل كيمياء رياضية متميزة. فهي ليست لعبة حظ، كما هو الحال مثلاً عندما نقوم برمي النرد، ما دامت هناك خطط يتم وضعها، والعمل بجهد على التدرب عليها. غير أن الحظ دائماً يظل حاضراً، مهما عملنا على تقليص ظهوره. وتكفي سنتمترات فقط، لإلغاء هدف أو لتأكيده. وكرة القدم ليست علماً دقيقاً، فالفريق لا يمكن أن ننظر إليه كآلة ميكانيكية، تتحرك بشكل محسوب بهدف الوصول إلى المرمى. ولكنها في الآن ذاته ليست مجرد لعبة متروكة لتقلبات الصدفة، بل هي محاولة مستمرة لعقلنة الحظ.
وإضافة إلى ما سبق، يتعلق الأمر بلعبة جماعية من أحد عشر لاعباً. ولكنها في الوقت نفسه، اللعبة التي يمكن للاعب واحد يمتلك مهارات إبداعية خارقة، أن يغير فيها مسار المقابلة بكاملها. سواء باتجاه الربح أو الخسارة. 

الركلة الملتوية
ولابد أن نتذكر أيضاً في مقام الحديث عن الكرة وحظوظها ومفارقاتها ضربة الجزاء على طريقة بانينكا. الركلة الملتوية التي أداها روبيرتو كارلوس، وحطمت القوانين الفيزيائية. ولنتذكر أيضاً ركلة الجزاء الفاشلة في مونديال 94 التي أدت بإيطاليا إلى خسارة الكأس. والتي بسببها كتب الإيطاليون على جدران الفاتيكان العبارة الشهيرة: «ليسامح الرب الجميع باستثناء روبيرتو باجيو». إن هذا فقط غيض من فيض، فتاريخ كرة القدم مليء بمثل هذه العجائب التي حطمت أفق كل انتظار!
وفي كرة القدم يتكامل المجهود الفردي والجماعي، ولكن الفرد يمكنه أن ينتفض في كل لحظة، كي يقوم بابتكارات غير مسبوقة، تخلد اسمه في تاريخ اللعبة.
نعم يمكن للفريق أن يبدع بشكل جماعي، ولكن يمكن أيضاً للاعب واحد أن يصنع الفرق. وهكذا على رغم بساطتها المخادعة، تظل لعبة كرة القدم غامضة تماماً مثلها مثل الحياة. فمفارقات اللعبة هي نفسها مفارقات الحياة!
ومن الأمور التي تتعين الإشارة إليها، في هذا المقام، أيضاً مسألة القوة والضعف. ففي مجال كرة القدم لا يوجد فريق قوي وآخر ضعيف. كم من أقوياء سقطوا أمام فرق متواضعة! وكم من خسارات حطمت قلوب الملايين من الأنصار. إن ما يجعل منها لعبة مشوقة هو أن النتيجة غير محسومة مسبقاً، فما يوجد على الورق قد يتحطم على أرضية الملعب. وقد صرح اللاعب الألماني بول بريتنر في مونديال 82 بأنه سيدخل لملاقاة منافسه منتخب الجزائر، وهو يرتدي بدلة وربطة عنق، فما كان من عجرفته إلا أن تحطمت بنتيجة صادمة للمنتحب الألماني.

بين العقل والجسد
وبالتأكيد هناك الجهد البدني، ولكن هناك أيضاً الحضور الذهني. إنها اللعبة التي يجب أن لا يشتط بنا فيها تفكيرنا بعيداً، وإلا فإننا سنصبح في حالة شرود. ولذلك فمن الضروري في كرة القدم أن يفكر الإنسان بقدميه، أي أن ينسق عمل العقل مع حركة الجسد داخل الملعب.
ففي هذه اللعبة كما في باقي الألعاب نبحث عن الفوز. ومفتاح الفوز في كرة القدم هو تسجيل الأهداف. ولكن هناك كثيراً ممن يختارون اللعب الجميل. تماماً كما هو الأمر في الحياة. وهناك من يحقق أهدافه ويعيش بطريقة براغماتية. ولكن هناك أيضاً من جعلوا حياتهم حسب وصف مشيل فوكو عملاً فنياً. وجميعنا نتذكر فريق الأحلام البرازيلي في مونديال 82. وأعظم تشكيلة في تاريخ السيليساو الذي كان يقوده المدرب نيلي سانتانا، والذي عرف عنه قوله: «سُجل في مرماي هدفان وسأرد بالخمسة». إن لاعبين أساطير من أمثال فالكاو وسقراطس وزيكو... جعلوا من كرة القدم متعة بصرية لا تضاهى، رغم هزيمتهم التي أحزنت العالم أمام إيطاليا.
وسنظل نحب كرة القدم على رغم الخسارات الجميلة. فما نبحث عنه في هذه اللعبة هو الرغبة في التحكم في الحياة، الشعور بالتحرر من إكراهات الواقع.
بالقوة المفقودة أو الضائعة.. كرة القدم مثل آلة للسفر عبر الزمن، تمكننا من الهروب نحو عالم حلمي، نعيد فيه ترتيب التواصل ليس فقط مع الآخرين بل أيضاً مع الذات. إعادة إنتاج أنفسنا ضمن مستوى دلالي مغاير.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©