الخميس 2 فبراير 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

ثقافتنا.. بصيرة وحكمة

ثقافتنا.. بصيرة وحكمة
2 ديسمبر 2022 02:28

إبراهيم الملا (الشارقة)

الاحتفال بعيد الاتحاد الـ 51 احتفال بماضٍ يستحق النظر إليه بتمعّن، فشجرة الثقافة الوارفة التي يستظل تحتها الجميع حاليّاً لا يمكن لها أن تنمو من فراغ، ولا يمكن لها أن تسمو وتتعلّى وتتفرّع دون أن يسقيها ماء البصيرة، ودون أن ترفدها ينابيع الحكمة، وغزارة الرؤية المنبثقة من المدارك الناصعة للآباء والأجداد والأسلاف.

صروح علمية
مهّد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لهذا الغرس الثقافي اليانع، من خلال انحيازه الواضح والأكيد لوعي الإنسان قبل بُنية العمران، وكانت أولى مبادراته الحضارية الملموسة هي الانتقال من مرحلة «الكتاتيب» المتمثلة في النمط التعليمي التقليدي، إلى مرحلة مشرقة تمثّلت في التعليم النظامي، فأطلق الراحل الكبير بذلك أولى شرارات النهضة الثقافية بالدولة، والتي بانت ملامحها بقوة بعد إنشاء جامعة الإمارات في مدينة العين، باعتبارها الركيزة الأساسية لما شهدته الدولة لاحقاً من ثورة أكاديمية بتنا نراها مجسدة ومتفاعلة اليوم مع الطموحات المستقبلية للقيادة الرشيدة بالدولة، من خلال رعايتها واحتضانها للمواهب الشابة والواعدة في الحقول العلمية والثقافية والفنية المتعددة والمتنوعة، فأصبح لدينا اليوم معاهد وكليات وجامعات ذات صيت دولي يفد إليها الطلبة من دول العالم المختلفة، لتصبح الإمارات بذلك نقطة جذب واستقطاب، بعد أن كان طلبة الدولة في السبعينيات والثمانينيات المنصرمة يُبتعثون إلى الخارج لاستكمال دراساتهم النوعية في تخصصات لم تكن متوافرة بالمكان، ويمكننا اليوم الحديث بثقة عن كليات وجامعات قادرة على صنع جيل إماراتي مثقّف ومعزّز بعدة أكاديمية مُبشِّرة ومُهَيأّة لظهور قاعدة واسعة من الفنانين والمثقفين والمبدعين المستقبليين.
ونذكر من هذه الجامعات: جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا والبحوث، وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وكليات التقنية العليا، والجامعة الأميركية بالشارقة، وكلية الإمارات للإدارة وتكنولوجيا المعلومات، وغيرها من الجامعات المهتمة بعلوم المستقبل وما تتضمنه من آليات تفكير وإنتاج متقدمة.

معالم ثقافية
تزخر الإمارات بالعديد من الصروح والمعالم الثقافية العملاقة في بنيتها، والنموذجية في إدارتها، والطموحة والمتجددة في آفاقها واستراتيجياتها وأنشطتها، ومنها على سبيل المثال معارض الكتب في مناطق الدولة المختلفة والتي تقف خلفها هيئات وإدارات تتوزع أدوارها بين التخطيط والفعل والاستدامة، ومن أهمها معرض الشارقة الدولي للكتاب المنبثق من هيئة الشارقة للكتاب، ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومعرض العين للكتاب، وغيرها من الحواضن الثقافية الكبرى للقرّاء والمؤلفين والمبدعين والناشرين، حيث رأينا في الدورة الأخيرة من معرض الشارقة للكتاب تجسيداً حيّاً وتفاعليا لشعار الدورة، هو: «أنشر كلمة للعالم»؛ لأن حجم التواصل بين صنّاع الكلمة وبين متلقّيها كان متداخلاً تقريباً مع اهتمامات وأذواق شرائح المجتمع كافة، بفئاته العمرية المختلفة، وبمرجعيات القراء المتباينة، وهذه الشمولية المعرفية التي سعي معرض الشارقة للكتاب لتعميمها منذ انطلاقته قبل 41 عاماً.
أما معرض أبوظبي للكتاب، فيؤكد من خلال أنشطته وفعالياته إلى تأكيد مفهوم القوة الثقافية الناعمة، باعتبارها قوة خلّاقة وتترك أثراً وبصمة ومنفذاً للدخول بثقة إلى عالم سريع التنوع والتغير ولا يعترف سوى بالكيانات القوية والمستقلة التي تملك الإرادة وتملك القرار.
بينما يسعى مهرجان العين للكتاب إلى خلق التوازن الثقافي واستحضار المقاربات المنسيّة بين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والحداثة، واعتبار الهوية الوطنية جسراً للتواصل والحوار، وليس انقطاعاً عن العالم أو تمحوراً حول الذات؛ لذلك يتخّذ المعرض من «الكتاب» وسيلة مثالية لقراءة الواقع والانفتاح على الآخر انطلاقاً من الإرث المحلّي الزاخر بكنوزه السردية، المعاصرة منها والمبكّرة.

متاحف ومكتبات
على صعيد المتاحف التخصصية بدولة الإمارات، فإن الزخم الذي تتمتع به هذه المتاحف شكلاً ومضموناً، يفتح مجالاً خصباً للاستثمار في السياحة الثقافية، والصناعة المعرفية، ونذكر من هذه المتاحف: لوفر أبوظبي، وغوغنهايم أبوظبي في جزيرة السعديات، ومتحف الشارقة للفنون، ومتحف الشارقة للآثار، ومتحف المستقبل بدبي، وغيرها الكثير.
بدورها، فإن المكتبات الكبرى بالدولة تعمل على استقطاب القرّاء بمختلف شرائحهم ومرجعياتهم، وخلق فضاء المشاركة الوجدانية مع الكتاب، وبالتالي تحويل العزلة إلى رحلة تأمل عميقة وسط الكلمات والعبارات والمفردات المشكّلة لإيقاع التفكر والتخييل المساهمين بقوة في تطور الحضارة البشرية ونقلها من المرحلة البدائية إلى الثورة المدنية والصناعية، ونذكر من هذه المكتبات: مكتبة محمد بن راشد في دبي التي تجسَد واجهة الإمارة الثقافية.

ملتقيات نوعية
تتميز الإمارات بوجود ملتقيات نوعية كبرى فيها، تهدف أساساً إلى إيجاد مساحة خصبة لتداول الأفكار والخبرات والمعارف بين الفنون والثقافات المحلية وبين مثيلاتها لدى الشعوب الأخرى، وهي مساحة تثري المبادرات التنظيمية لحقول إبداعية متنوعة، مثل: الأدب، والمسرح، والتشكيل، والنحت، والموسيقا، والسينما وغيرها، ومن هذه الملتقيات المهمة: القمة الثقافية بأبوظبي، ومؤتمر الناشرين بالشارقة، وملتقيات هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ومبادرات وزارة الثقافة والشباب ومشاركاتها الخارجية، فكل هذه الجهود التنظيمية تعمل على توظيف الثقافة لصالح جودة العمل على المستويات كافة، خصوصاً في الهيئات والمؤسسات التي تخطط لوضع استراتيجيات بعيدة المدى فيما يتعلق بالأنساق الثقافية المختلفة التي تصنع جيلاً مقبلاً على الحياة ومنفتحاً على الأفكار التنويرية والتوعوية التي تصنع في النهاية طاقة إبداعية متدفقة تستفيد منها الأجيال القادمة. تعمل دولة الإمارات بشكل جادّ لإقامة حراك ثقافي وفني متواصل وحافل بالبرامج والفعاليات المبتكرة والمدهشة، وهي بذلك تغذّي قوتها الناعمة بشكل دائم، ولا تترك فراغات زمنية أو استعادات ماضوية هشة وغير منتجة، فالقائمين على الشأن الثقافي هنا مؤمنين بضرورة الربط بين المشاريع المستقبلية الطموحة في الإمارات وبين الأشكال الفنية والتعبيرية، كما أن اهتمام الدولة بعلوم الفضاء، سيخلق دون شك نمطاً أدبياً موازياً لهذا التوجه من خلال إنتاج أدب الخيال العلمي، وجدير بالذكر أن المؤسسات الثقافية بالدولة أصبحت تستند إلى قاعدة بيانات ومعلومات دقيقة حول المؤشرات الثقافية في المجتمع، وأهمية وضع دراسات وإحصائيات تتعلق بالذائقة والتوجه الفكري والثقافي لدى أفراد هذا المجتمع، حتى تستطيع القوة الناعمة تعميم تأثيرها في المكان وتأكيد الدور الإقليمي والعالمي لدولة الإمارات من خلال رؤية واضحة ومنطلقة من قاعدة البيانات هذه، وما تقدمه من معلومات حقيقية وشفافة يُعتمد عليها، كما أن المنطلق التجديدي الذي تسعى الدولة لتعميمه من خلال خطابها الثقافي التنويري سيكون المحور الأساس وجوهر المعرفة الواثقة بقوتها ومكانتها في العالم، وبالتالي تحقيق متطلبات واحتياجات وأفكار الجيل القادم من الأدباء والفنانين والمفكرين وقادة الرأي.

«بيت الحكمة»
«بيت الحكمة» في الشارقة يعد صرحاً نابضاً بالحيوية الثقافية، وتتجلى فكرة إنشائه بدمج مفهومي المكتبة والملتقى الاجتماعي والثقافي، ويمكن القول إنه نسخة عصرية مبتكرة لاستعادة الحضارة من خلال توفير مركز معرفي يقصده الجميع لإثراء قدراتهم ومعارفهم ومهاراتهم، كما أن فكرة تصميم بيت الحكمة من الداخل، تعيد صياغة المفهوم التقليدي للمكتبات، وتحوّلها إلى منصة اجتماعية للتعلّم والمعرفة، تعزّزها أدوات الابتكار والتقنيات المتطورة.

بيت الفلسفة
هناك بيت الفلسفة بالفجيرة الذي يؤكد على الولادات التنموية المبشّرة في المكان، تنمية الإنسان وملكاته ووعيه وقدراته النقدية، باعتباره العنصر الأساس لكل فعل خلّاق وإبداعيّ ومُبتكر، كما أن إطلاق «بيت الفلسفة» يواكب الروح المنفتحة لأهل الإمارات قديماً وحديثاً، وهو مشروع واعد بمضمونه وطموحه، من أجل خلق حالة ثقافية وإنسانية مبهجة ومستدامة في الدولة.

مركز المستقبل
وجود رافد فكري مهم مثل: «مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة» بأبوظبي يرسخ - كما تشير أجندة المركز - لتعميق الحوار العام، ومساندة عملية صنع القرار، ودعم البحث العلمي فيما يتعلق باتجاهات المستقبل التي أصبحت تمثل مشكلة حقيقية بالمنطقة في ظل حالة عدم الاستقرار وعدم القدرة على التنبؤ خلال المرحلة الحالية، بهدف المساهمة في تجنب «صدمات المستقبل» قدر الإمكان.
وفي هذا الإطار، يهتم المركز بالاتجاهات التي يمكن أن تساهم في تشكيل المستقبل، خاصة الأفكار غير التقليدية أو الظواهر «تحت التشكّل» مع التطبيق على منطقة الخليج في المدى القصير من خلال رصد وتحليل الاحتمالات الممكنة للتفاعلات القائمة والتيارات القادمة، مع تقدير البدائل المتصورة للتعامل معها باستخدام مناهج التفكير المتقدمة عبر أنشطة علمية تجمع بين الأكاديميين والممارسين والشخصيات العامة من داخل الإمارات العربية المتحدة وخارجها.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©