الخميس 1 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

بناء الإنسانية الجديدة

من أعمال طوكيوجينسو
6 أكتوبر 2022 01:01

الفاهم محمد

مع نهاية القرن الماضي، وبداية الألفية الثالثة، بدأ إحساس عميق بالخوف، وبترقب نهاية العالم ينتشر في كل المجالات. صحيح أننا نجونا من الاحتراق النووي خلال الحرب الباردة، وأن العالم تطور نحو مجتمعات، تُعنى أكثر بالإنتاجية والازدهار والتطور التكنولوجي. ولكن مع ذلك فكل هذه الحضارة التي بناها الإنسان لم تستطع أن تمحو الشعور باللااستقرار الوجودي، وبانعدام الطمأنينة. ومن هنا بدأ نوع جديد من الفن يعرف ازدهاراً واسعاً، وهو ما سُمي «فن ما بعد القيامة» post apocalyptic، سواء في السينما كفيلم «جيش 12 قرداً» أو «ماد ماكس» مثلاً. أو في الأدب كرواية «الطريق» لكورماك ماكارتي، أو في الفنون التشكيلية من خلال العديد من الأعمال الفنية. والمقصود عند ما يطلقون هذه التسمية بـ«ما بعد القيامة» تلك المرحلة التي يتقعون أن ستعقب الكارثة التي يمكن أن تحل بالحضارة الإنسانية، إما بسبب جائحة وبائية قاتلة، أو انهيار بيئي عالمي، أو حتى شتاء نووي!
وتصف كل هذه الأعمال كيف يمكن للبشرية أن تنهض من وسط الأنقاض، وكيف يمكن للجماعات القليلة من البشر أن تستمر في البقاء، وسط عالم معادٍ تماماً لها. صحيح أن مثل هذه الأفكار نجد سلفاً لها في تراث الإنسانية. غير أن موضوع النهاية يحضر مع هذه الأعمال بسبب كارثة داخلية ناتجة عن طبيعة الحضارة ذاتها. وإذا كانت الأعمال السينمائية والأدبية، قد تناولت هذه الثيمة فقط كذريعة من أجل الكتابة أو الإخراج ما دام أصحابها تجاوزوها للإبداع في مجالات أخرى، فإننا نجد العكس من ذلك في مجال الفنون التشكيلية، حيث كرس فنانون حياتهم برمتها، معتكفين على تخيل هذه المرحلة والتعبير عنها إستطيقياً. mسينحصر حديثنا في هذا المقال على ثلاثة من كبار الفنانين هم البولوني جيزلاف بيكشينسكي Zdzislaw Beksinski  والسويسري هانس رودي غيغرHans Ruedi Giger. ثم أخيراً الياباني طوكيوجينسو tokyogenso. والسؤال الذي نطرحه هنا هو: كيف جعلوا من التجربة الفنية في تصوير إستيطيقا الخراب رسالة فنية لإنقاذ البشرية؟

بيكشينسكي: نور خلف الظلام
كيف يمكن للخراب أن يصبح جميلاً؟ هذا هو ما تجيبنا عنه أعمال بكشينسكي: أطلال مدينة مدمرة، هياكل عظمية وجماجم متآكلة، متراصة فوق بعضها بعضاً في أراضٍ قاحلة. أجساد هزيلة بجلود غائرة وعظام بارزة، أجساد أخرى جاحظة العينين، أو بوجوه ممحوّة من دون معالم، الشبح الذي يسير رفقة كلبه الأسود المنفوش الشعر. مخلوقات بعيون فارغة وبندوب تغطي جسدها... هذه بعض المشاهد المرعبة من العوالم القوطية gothique التي تنقلنا إليها الأعمال المدهشة لبيكشينسكي. فمنذ أن بدأ نشاطه الإبداعي كمصور فوتوغرافي، وهو يبحث باستمرار عن الأشكال الملائمة والمواد الكفيلة بالتعبير عن رؤيته للعالم. يقول: «أنا مهووس بعملية الابتكار»، سواء باعتماد العجائن الملونة المعتمة المسطحة على اللوحة Aplat، أو التركيز على الأجساد الممزقة التي فقدت شكلها الطبيعي، الشبيهة بكومة العظام، أو سواء كذلك بتنويع المناظر، تبدو هذه الكائنات المربوطة، المشوهة المعالم والمحشورة داخل صناديق، كما لو أنها كانت ذات مرة تنتمي إلى الجنس البشري. إنها رهينة وضع تعاني منه، لكنها تبحث في الآن ذاته عن الخلاص. هذا ما يبدو عليه الكائن شبه البشري المغطى رأسه بالشاش الأبيض والذي يزحف على رجليه، أو الشخصان اللذان ينظران إلى القمر. وفي بعض اللوحات تبدو الشخصيات كما لو أنها قد فاجأتها الصاعقة النووية، فبقيت مثبتة في مكانها مثل مستحاثات تظل هياكلها في الحجارة لآلاف السنين. هل هي إشارة إلى اللامبالاة التي نعيشها حالياً غير عابئين بالخطر الذي يحوم حول البشرية؟

استطاع فن بيكشينسكي أن ينزل إلى أعماق الذات البشرية. إن مهمة الفن إذن ليست نقل ما نراه، بل ما نحاول كتمانه والهروب من مواجهته. صرح بيكشينسكي ذات مرة قائلاً: «ما يهم هو ما يظهر في روحك، وليس ما تراه عيناك وما يمكنك تسميته»! لقد جعلنا هذا الفنان نحدق بأعين مفتوحة في الهلاك الذي يبدو، في أعماله، وكأنه قادم للبشرية! لكن مع ذلك فهذه السوداوية التي تطبع أعماله، لا تخفي أيضاً ضوءاً من الأمل، فالجثث الشاحبة ونصف الحية، تخرج من قبورها أو مخابئها متجهة نحو القليل من الضوء الذي يلوح في الأفق. وفي النهاية، فهذا الرجل الذي صور بشاعة الوضع البشري، والمصير السوداوي الذي ينتظر، سيموت، هو أيضاً، بدوره بطريقة بشعة، عندما اقتحم مراهقان شقته وقاما بطعنه 17 طعنة من أجل سرقة بعض الأشياء البسيطة، تاركين وراءهما لوحات لا تقدر بثمن، لأنهم يجهلان أي شيء عن الفن. وهكذا رحل بيكينشينسكي عن سن 75 ولا يزال في جعبته الكثير من العطاء.

رودي غيغر.. سيد الظلمات
كان رودي غيغير هو من صمم الوحش الفضائي الذي ظهر في فيلم أليين Alien، وقد منحه هذا شهرة جعلته يفوز مع فريق المؤثرات الخاصة بجائزة الأوسكار سنة 1980، ومع ذلك فهذا الوحش المبتكر ليس سوى جزء بسيط من زخمه الإبداعي. فقد تركت أعماله تأثيراً كبيراً على ثقافة السايبربانك، كما ساهمت رسوماته أيضاً في تصميم الكثير من الأوشام وأغلفة الألبومات الموسيقية. وباستعماله لمسدس بخاخ للصباغة، دخل غيغر عوالم غريبة صورها بوساطة تقنية اللون الأحادي le monochrome. رسومات داكنة ومخيفة جعلت البعض يطلق عليه لقب «سيد الظلمات». أجساد يختلط فيها اللحم مع الحديد كي تشكل وحوشاً لا مثيل لها، أو كما أطلق عليها «آلات بشرية». عذابات الولادة، حيث الأطفال جميعهم يعانون تشوهات خلقية وبثوراً تعلو وجوههم وأجسادهم. 
وهذه «الميكانيكا الحيوية» كإحدى لوحاته تحمل عنوان: منظر بيوميكانيكي يدين بها لتكوينه الدراسي في مجال الفنون الصناعية في زيوريخ. خلائق غير قابلة للتصنيف وكأنها قادمة من كواكب أخرى. عالم يختلط فيه اللحم مع الحديد، فلا نعود نميز الحدود الفاصلة بين ما هو معدني وما هو عضوي. وكأن الإنسان يتم ابتلاعه من قبل ما هو ميكانيكي. هل هو يحذرنا من هيمنة الآلات على البشر، أو أنه يدق ناقوس الخطر بصدد مستقبل الجنس البشري؟.
ولكن رغم كل هذه السوداوية في أعماله إلا أنه أيضاً يرفض الاعتراف بهكذا توصيف حيث صرّح: «يقول بعض الناس إن عملي غالباً ما يكون محبطاً ومتشائماً، مع التركيز على الموت والدم والاكتظاظ والكائنات الغريبة وما إلى ذلك، إلا أنني لا أعتقد حقاً أنه كذلك».
كما يقول أيضاً: «في بعض الأحيان لا يرى الناس سوى الأشياء الرهيبة والمخيفة في رسوماتي». ولكن أي يوجد بصيص الضوء في هذه الأعمال التي تغيب عنها الشمس تماماً؟ صور لنا غيغر عوالم مظلمة سادية تأثر فيها بكاتب الرعب لوفكرافت، ولكنه مع ذلك يود أن يرسل لنا رسالة ذات طابع رمزي واستعاري، وهي أن التقدم الميكانيكي الذي نعيشه يمكن أن يقود أيضاً نحو الهلاك. فأي مستقبل إذن ينتظر البشرية عندما تفقد الروح وتعيش فقط بفضل آلات الفولاذ الباردة؟

طوكيوجينسو وعودة الطبيعة
على عكس غيغر أو بيكشينسكي، تبدو لوحات الياباني طوكيوجينسو مشرقة، بسماء غالباً ما تكون صافية وسحب بيضاء. هنا لا مجال للألوان الكئيبة ولا للوحوش المرعبة، وإنما لشيء واحد يظل هو الموضوع الأساسي مهما تغيرت الموتيفات المصورة. إنه الطبيعة ذاتها وقد استعادت قوتها وانتشارها. تظهر المعالم الأساسية للحضارة الإنسانية مثل برج إيفل الفرنسي أو برج بيزا المائل في إيطاليا أو تاج محل، قد اكتسحتها الأعشاب وبدأ اللبلاب ونباتات الفطر تجتاحها. بل أكثر من ذلك تبدو المدن سليمة بمبانيها ومنشآتها، فهنا لا توجد خرائب ولا أثر للدمار، فقط الإنسان هو وحده من اختفى من المشهد كما لو كان ذلك قد تم بكبسة زر. ويتركنا جيتسوطوكيو نحدس السبب الذي أدى إلى مثل هذا الاختفاء، فما يهمه بالأساس هو إظهار كيف أن الكرة الأرضية تعافت من دون الإنسان. 
ومع ذلك فلوحاته إذا ما تمعنا فيها تبدو على رغم إشراقها الظاهر أكثر رعباً من لوحات غيغر أو بيكشينسكي. ذلك أن الفنان الياباني يعرض علينا مناظر يغيب فيها الإنسان تماماً، وكأن عودة هذه الطبيعة المشرقة وهذا الاخضرار مشروط باختفاء بني البشر!

نوع آخر من الجمال
مع هؤلاء المبدعين الثلاثة بالتأكيد نحن لسنا أمام فناني المناظر الطبيعية السياحية، بل أمام مبدعين رؤيويين لمستقبل الإنسان والحضارة. لقد وطئوا أرضاً لم يطأها بشر من قبل. فنانون يراهنون على النظر في الهاوية، تسليط الضوء على الظلمات، هذا الضوء الذي لن يكون شيئاً آخر غير الجمال ذاته. وكما تساءل دوستويفسكي في رواية «الأبله»: هل حقاً الجمال هو الذي سينقذ العالم؟ ولكن أي جمال هنا نقصده؟ فما يعرضه علينا فن ما بعد القيامة، ليس ذلك الجمال المألوف لدينا في الطبيعة، بل هو الخراب والقبح الذي يصبح ظاهرة إستطيقية. مع العلم أنهم ليسوا الوحيدين في هذا المجال، فقد سبق لجيروم بوش أن صور تشظي الذوات والخطيئة البشرية، ولغوياً لوحات كثيرة تضم شياطين ومخلوقات غريبة. أما زوران ميوزيك فمعظم لوحاته مليئة بالأشباح والجثث.
لقد رفض فولتير في قاموسه الفلسفي كتابة دراسة تعرف الجمال نظراً لصعوبة هذا الموضوع في نظره، ولاختلاف مفهومه حسب الثقافات والمجتمعات، يقول فولتير: «سل ضفدعاً: ما الجمال. مثال الجمال؟ سيجيبك أن الجمال هو زوجته الضفدعة، صاحبة العينين المستديرتين الجاحظتين من رأسها الصغير، والفم الواسع المنبسط، والبطن الصفراء، والظهر بني اللون»! كان فولتير يطمح إلى توسيع مفهوم الجمال وفتحه على النسبية، ولكن رغم استشهاده برؤية الضفدع للجمال وهو أمر بطبيعة الحال غير موجود ما دام أن الجمال شيء مقصور على الإنسان، فلم يخطر بباله أن توسيع مفهوم الجمال يمكن أن يشمل أيضاً القبح والبشاعة. ففولتير من دون شك يظل محافظاً على المعايير الكلاسيكية للجمال المتمثلة في الانسجام والتناغم ونسبة المقاييس إلى بعضها بعضاً. بينما ما يعرضه علينا ما يسمى «فن ما بعد القيامة» هو التشوهات، الخرائب، انعدام الشكل، الوحشية والبشاعة... أي نوع آخر من الجمالية! 
ويمكننا التأكيد أنه على رغم سوداوية هذه المواضيع التي يتم الاشتغال عليها، إلا أن المعالجة التي قام بها هؤلاء الفنانون جميلة في حد ذاتها. فانهيار الحضارة شيء قبيح ومخيف، لكن اللوحات كإبداع فني شيء جميل. كما لو أن الجمال الذي تعرضه يشتغل كجرس إنذار ضد القبح الذي ينتظرنا من أجل تجاوز الخراب وبناء الإنسانية الجديدة. فعندما نرى الظلام ونطل على الهاوية، لعلنا نتذكر أن ثمة نوراً، وأنه علينا أن نحضنه في قلوبنا، ونحب الحياة ونعتني بالكرة الأرضية.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©