السبت 20 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

ألبيرتو مورافيا.. المغامر في التجريب

ألبيرتو مورافيا
30 يونيو 2022 01:19

ساسي جبيل (تونس)

يُعتبر القرن العشرون، بحربَيْهِ العالميتين، حاضنة تاريخيّة كبرى لتنوّع الأساليب الأدبيّة في أوروبا، واختلاف منازعها من ناحيتي الموضوع والصّياغة. ولاشك أن من أبرز كُتاب هذا القرن في إيطاليا الروائي والشاعر ألْبيرتو مورافيا، الذي وسمت طابعه الأدبي في التّعاطي مع أعباء لحظة عصره، ومع التّاريخ وأحداثه بصفة عامة، فرادة إبداعيّة مميّزة جعلته وجهاً بارزاً، وعنواناً من عناوين المدونة الأدبية الأوروبية في القرن المنصرم.
ولكن، من هو ألبيرتو مورافيا؟ ولماذا ملأت سيرته الأدبية الدّنيا وشغلت النّاس؟ ولماذا يعتبر صاحب خط تجريبي، يصل المنزع الوجوديّ بالنّفسيّ، وتلتقي في نصوصه أكثر من مدرسة أدبية وإبداعية؟
وُلدَ ألبيرتو مورافيا سنة 1907 وعمل خلال معظم حياته صحفيّاً، وبدأ تجربته الأدبية بكتابة القصة مستكشفاً عوالم السّرد التي برع فيها، وأوجد لنفسه خطاً متميزاً في رسم ملامح شّخصيات مستمدة من تجارب الحياة اليومية، وربما كان بعض شخوصه قريباً أيضاً من ملامح شخصية مبدعها. وقد أصيب بمرض السلّ ما بين 1916 - 1925، غير أنّه ظل مواظباً على دراسة وتدريس اللّغتين الفرنسيّة والإنجليزية اللتين أتقنهما، وكان لذلك أثره البالغ في إثراء تجربته الأدبية اللاحقة.
ألّف مورافيا العديد من الأعمال الأدبية ذات الشهرة الذائعة، كان أوّلها رواية «اللامبالاة» سنة 1929، وتلتها «السّأم» سنة 1939 وحازت جائزة إيطاليا الكبرى للآداب «فيارجيو»، وتوالت بعد ذلك روايات منها، على سبيل المثال لا الحصر، «امرأة من روما» سنة 1947، و«العصيان» سنة 1948، و«أنا وهو» و«الاحتقار».
ولم يقتصر مورافيا على المنجز السّردي وحده بل نوّع في تجريبه الأدبي فكتب الشّعر أيضاً فأثرى بذلك مدونته الإبداعيّة المليئة بالتّجربة والاختبار، ما أهّله لأن يكون رائدَ منزع متفرّد في الأدب الإيطالي ذي نفَسٍ وجوديّ يستحضر الفعل الإنساني فكريّاً وحياتيّاً، متوخيّاً خطّاً خاصاً في الكتابة يستلهم من تقاليد المنزع النفساني في أدبياته السّلوكية من خلال الغوص في أعماق أقوال وأفعال شخوصه في رواياته المتعدّدة، ولعل هذا مما جذب القرّاء كثيراً إلى بعض سردياته الطّريفة.

  • بعض أعمال ألبيرتو مورافيا
    بعض أعمال ألبيرتو مورافيا

الواقعية والتجريب
والحال أن التّجريب مثّل، في الواقع، العنوان الأبرز في مسيرة مورافيا كمغامرة يتجدّدُ بها النّفَس الأدبي، لاسيّما خلال تجربته الإبداعية في الثّلث الأوّل من القرن العشرين، وخاصة بعد قراءاته لفيكتور هوغو وكثير من كُتاب وشعراء القرن التاسع عشر، فضلاً عن تأثره ببعض الملامح التي مرّت بها الكتابة الرّومنطقيّة في البيئة الألمانيّة والفرنسيّة خاصة. 
ولعل منزع الواقعية والتجريب هو ما دفع مورافيا للانفتاح أكثر على الصّحافة وعوالم القصص الواقعية. وعلى ذكر الواقعية ربما يتعين هنا الإشارة أيضاً إلى أنه كان يُجايل نظريّات التثوير الجدليّة الماركسييّة، ويتفاعل مع تقلّبات المجتمعات الأروبيّة، كشاهد على نزاعات فترة الحربين بين «المحور» و«الحلفاء». وكان لكلّ هذه الظروف التّاريخيّة والشخصيّة أثرها المحسوس في تجربة مورافيا الأدبية، وطريقته في الغوص في صراعات الذات الفردية والجمعية، بأسلوب يستدعي أحياناً بعض تقاليد المدرسة الفرويدية ونظريتها عن صراع «الأنا» و«الهو» و«الأنا الأعلى».

موهبة فريدة
وفي كتابة مورافيا الروائية خاصة تجلت موهبة فريدة في التعامل مع رُواته، وهو يأخذ عنهم المشعل أحياناً في تأدية أدوارهم، كأن تشرع الزوجة أو المرأة مثلاً في الإفصاح عن تجربتها في الحبّ والخيانة عبر مونولوج بطريقة تنقل الانفعال إلى المتلقي! وكذلك حالة الشّاب وهو يغرق في اعترافاته قبل أن يأخذه خجل مفاجئٌ! كأن يتحدّث مثلاً إيملي بطل روايته «الاحتقار»، وفي اللّيل يستيقظ وهو يفكّر في ديونه ومرارات حياته: «استشعرت في حمية تلك الضمّة العجيبة شيئاً آخر غير الحبّ»! 
وهكذا غدا مورافيا ضمير إيطاليا الآخر من خلال شخوص بعض سردياته التّي أصبحت تؤدّي أدوارها أمام الكاميرا ضمن أفلام ترجمت هذا المنزع الكتابي بلغته الواصفة للأمكنة والأزمنة، في عملية تدوين وتحيين للواقع الصعب الذيّ مرّت به أوروبا في فترة ما بين الحربين. ولعل روايته «اليأس» تعبير عميق ودقيق عن أعباء تلك المرحلة وقتامتها الحالكة. ومما يلفت الانتباه هنا أن عناوين بعض روايته كانت تنطق بجوانب مما يعتمل داخل نفسه من ثورة على مختلف مظاهر ما يعتبره نفاقاً مجتمعياً متفشياً في علاقات الطبقة البورجوازيّة والطبقة الكادحة في أوروبا.

التمثُّل الشّعري
ولم يكتفِ ألبيرتو مورافيا بالسّرد وحده، بل اتجه أيضاً إلى الشّعر في تجريب آخر، حيث يتجاور عنده التمثّل الشّعري الرومنطيقي والمدونة السّردية، ضمن مجاورة إبداعية تتجلى خاصة في عمق وصدق لغة الوصف، وصف دقائق ودخائل النفس الإنسانية. وقد كانت بعض سردياته عابرة للزمن حيث أصبحت ناطقة أيضاً بلسان حال أزمنة أوروبية أخرى لاحقة تتشابه فيها الأحداث مع زمنه. فعلى رغم واقعيته، إلا أنّ تخييله وسّع وأضاء أكثر من سياق عاشته أوروبا، وعاشته الإنسانية، وهو يطرح أسئلة ما زالت أقواسها مفتوحة ضمن رؤية فلسفية أوسع، أسئلة عميقة وإن كانت تأتي أحياناً على ألسنة البسطاء من أبطاله في مخاضات ومتاهات حياتهم اليومية العادية.
توفيّ مورافيا في روما سنة 1990 تاركاً وراءه مدونة سردية وشعرية، ورؤية وجوديّة، وتجربة كتابة واقعيّة ونفسيّة، ما زالت تجذب القراء وتفتح أكثر من أفق وتطرح أكثر من سؤال.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©