السبت 13 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

دون كيشوت.. أسطورة كل الأزمنة!

دون كيشوت.. أسطورة كل الأزمنة!
30 يونيو 2022 01:17

بقلم: جان كنافاجيو
ترجمة: أحمد حميدة

دون كيشوت شخصيّة نمطية اقتحمت المخيال العالمي بصورة ثابتة ودائمة. والحال.. أنّ بطل سيرفانتس، يختزل عدداً من المطامح الإنسانيّة الجوهريّة، التي جعلته ينخرط بصورة بليغة في زمنه! إنّه يستجيب لشرْطين من شروط الحياة الأسطوريّة، مستغلاً في الآن ذاته المضمون البيّن والمضمون الكامن لزمنه. وإنّه لمن باب توصيفه الصّريح، أن يكون مناوئاً لقيم الجشع، وهو الذي كان يتلمّس من حوله.. الحياة المثاليّة. 
لقد جاء هذا القارئ المسنّ و«المعتوه» مجسّداً للنّزعة الألفيّة، وللحنين إلى عصر ذهبيّ في زمن عصر الحديد. وفي هذا الصّدد سيذكره لا محالة روسّو والرّومنطيقيّون، كي لا نقول أيضاً شباب الهيبّي. غير أنّ هذا الفارس ذا الوجه الكالح.. الحزين، كان يفصح عن إيمانه بذلك الإنسان الذي كان لا ينفكّ يعدو بثبات وإصرار تحت غلظة الأيّام والأزمنة: فإذا كان من قبيل الجنون أن يعتقد في الحبّ، في الوفاء وفي الشّرف، فسيكون هذا الرّجل بكلّ تأكيد مجنوناً، ومصاباً باختبال محبّب، يعرف صاحبه في لحظات السّكينة كيف يحظى فيها بإشراقات العقل. وليست هذه الصّورة خلاصة لمعطيات مستقاة مباشرة من نصّ سرفانتس، بل هي محصّلة ما تناهى إلينا من أخبار متوالية خلال الأربعة قرون التي تفصلنا عن زمنه.
طبعاً.. لا أحد خلال تلك الفترة، اعتمد على نصّ الرّواية، وإن كان النّموذج الذي تثيره يحتفظ ضمنيّاً بالمعطيات التي كنّا بصدد ذكرها. فهي لا تتطرّق إلى هيدلغو.. الفارس واسع الحيلة، كما عرفه عشّاقه في بداية القرن السّابع عشر، إذ غالباً ما تعلّق الأمر بأكثر ممّا جاء في الرّواية: سرد لمواقف هزليّة، تتخلّلها رقصات تهكّميّة موهوبة لجمهور من العامّة يعدّ القليل من المثقّفين، وهذا الجمهور هو الذي أكسب طابعاً شعبيّاً لتلك الشّخصيّة الجذّابة والمربكة (...).
وفي القرن الثّامن عشر، وفي إنجلترا تحديداً، بدأ قرّاء الرّواية يتعرّفون على أنفسهم من خلالها، خاصّة إذا كان أولئك القرّاء قد عاشوا أوهاماً مماثلة لأوهام هيدلغو وكابدوا الآلام والأحزان نفسها.

دون كيشوت وعصر التنوير 
أمّا روّاد عصر التّنوير، فكانوا يرون أنّ ما كانوا لا يجرؤون على فعله، كان دون كيشوت هو الذي يقبل عليه بكلّ جسارة ويفعله. وذلك هو الذي جعل من تلك الرّواية عملاً أدبيّاً فريداً وآسراً في آن. ولكن.. كان من الضّروري انتظار الرّومنطيقيّين الألمان -أوغست وفيلهلم شليغل، وفريدريش فون شيلّينغ- كي نرى دون كيشوت يغدو صاحب رسالة: نبيلاً كريم الأصل، لا نشكّ في كونه مجنوناً، ولكن ما لم يتعلّق الأمر بكتب الفروسيّة، فإنّه يفصح عن فكر متفوّق لا تحطّ من كبريائه، لا الإحباطات التي كان يتعرّض لها ولا الإهانات التي كان يتجشّمها. 
وإلى هؤلاء يعود الفضل في التحوّل الحاسم الذي طرأ على تأويل مغامرات دون كيشوت، والنّظر إليها ليس بوصفها مغامرات هزليّة وإنّما مشروعاً إنسانيّاً محمّلاً بأبعاد أخلاقيّة متعالية. وذلك هو ما أكسب الرّواية أيضاً أسباب الانتشار السّريع في أوروبا وفي ما وراءها، حيث أعطت دفعاً جديداً ملهماً للرسّامين والمصوّرين. كما أنارت الرّؤية التي كانت للقرن التّاسع عشر عن مآثره وإخفاقاته. وقد أُخذ على هؤلاء الرّومنطيقيّين أنّهم قاموا بتمجيدها دون اعتبار للغرض الذي أفصح عنه مبدعها، ودون التوقّف عند المحاكاة التهكّميّة المنجرّة عن ذلك. أمّا تاريخها، ذو البعد الرّمزيّ، فقد شُحن بلا حدّ، ليصبح أشبه بموعظة كبرى لعلاقات الإنسان بالعالم. 

الرّؤية الرّومنطيقيّة
ومثل ذلك الانقلاب، حتّى وإن لم يكن محلّ تفسير منهجيّ، أضفى معنى جديداً على أوديسّة هذا الفارس العنيد. ولهذه الاعتبارات، غدا دون كيشوت كائناً لا يكتفي بالتّقوقع داخل أوهامه، بل شخصاً يدافع عن مثله الأعلى، مكابداً أقسى التحدّيات، ومعلناً تعلّقه المطلق بالحريّة.
وقد شكّل الفنّ الأيقوني وسيلة أساسيّة في انتشار تلك الرّؤية الرّومنطيقيّة، ولاشكّ في أنّ غوستاف دوري كان من أبرز رموز هذا الفنّ، وخاصّة برسوماته التي أبدعها سنة 1863. وقد عالج دوري مغامرات دون كيشوت بصورة هزليّة، وتلاه في ذلك الفنّان أنطوان كولبيل، الذي وظّف أيقوناته في مجال النّسيج المطرّز. أمّا دوري فكانت له إنجازات بارعة، استخدم فيها بشكل وارف المنظور، ليضفي على أيقوناته أبعاداً دراميّة عجيبة، حيث بدت المشاهد البانوراميّة مترجمة عن لغة حقيقيّة للصّور. وحتّى وإن كانت تلك الرّسومات لا تخصّص غير مكانة متواضعة للجانب الهزلي، فإنّ هيئة دون كيشوت التي أصبح بالإمكان التعرّف عليها، تكشف لنا عن ملامح إنسان حالم، يتحرّك بهدي من مثله الأعلى الذي يرفض العالم من حوله الاعتراف به، أي ذلك العالم المسبّب لإخفاقاته.. عالم أوجاعه وأحزانه الذي أرداه صريعاً بعد استرجاعه لعافيته العقليّة.

الهجوم على طواحين الهواء
مستنسخة ومشاعة في كامل أنحاء أوروبا، ستسهم تلك الرّسومات في تغيير ملمح دون كيشوت على نحو لم يعرفه التّاريخ من قبل. ولكن.. هل يعني ذلك أنّ دون كيشوت لم يعد ليثير الضّحك؟ لقد كان ولا يزال يثير الضّحك، ولكن عبر العروض التي كانت تقدّم هنا وهناك لروايته، وحين أصبحت النّقائش والصّحف والمجلاّت تجسّم تحدّياته على ضوء ما كانت تأتي به الأحداث. وكان الهجوم على طواحين الهواء مناسبة للإفصاح عن موقفه من مبتكرات العصر الحديث: فتارة كان دون كيشوت يتحدّى ظاهرة القطارات والسّكك الحديديّة التي ترمز بامتياز إلى التقدّم التّقني. وتارة أخرى، ومن دون جدوى، كان يلمح إلى المظالم السّائدة في المجتمع. ومذّاك، وبقدر ما تعدّدت الفرص من قبل وسائل الإعلام، أصبح دون كيشوت «منجم» إبداع حقيقيّاً يجمع من حوله طائفة من الوجوه المعروفة -سانشو، روسّينيانت، دولسيني، ماري تورن - التي غدت متداولة بين النّاس (...).

من الصّورة إلى الفرجة
وقد افتتح القرن العشرون بمجيء حقبة جديدة في تلك التحوّلات. ولن نكون هذه المرّة شهود عيان لقطيعة مع الصّورة التي تشكّلت مع الرّومنطيقيّين: لقد كان ورثته، ودون رفضه، قد أقحموه في مجال أكثر اتّساعاً. فلم يعد الأمر ليتعلّق بالأهميّة التي كان يوليها إياه المواطنون الإسبان، الذين كانوا يرون في دون كيشوت تجسيداً لإسبانيا الباحثة عن هويّتها (...).
حينئذ.. سيتابع دون كيشوت تأكيده لحضوره بعيداً عن دائرة المثقّفين، ولن يعود ذلك فحسب إلى أنه كان بطل أوّل رواية في العصر الحديث. يقيناً أنّ التّكريس الاستذكاري الذي ستمنحه الأجيال المتعاقبة لهذا النصّ المؤسِّس، يكمن في أنّ دون كيشوت كان قد أعطى صوتاً لشخصيّاته، ومع ذلك الصّوت، حريّة توظيفه. كما كان سرفانتس قد أحلّ لأوّل مرّة داخل الإنسان البعد الخيالي: فعوض أن يتعاطى مع السّرد من خارج الأحداث التي كان يعيشها، فقد أعاد خلق الحركة التي كان وفقها يختلق ذاته. وينبغي التّأكيد هنا أنّ أغلب معاصريه سيجدون عناء كبيراً في التّذكير بتفاصيل مغامرات هيدلغو.. الدّاهية المبدع، الذي كانوا لا يعرفون عنه شيئاً، غير مقاومته لطواحين الهواء. والحال أنّ الحظّ الذي صادفه، يعود أكثر إلى أشكال أخرى من التّعبير الفنيّ، وصيغ مختلقة من الأداء المسرحي والتّمثيلي. فقد تعدّدت قبل الحرب وبعدها اقتباسات عدّة لنصّ سرفانتس في المجال المسرحي والسّينمائي والأوبرالي، وقدّمت تلك الأعمال دون كيشوت في صورة البطل العاطفيّ و«النذير الملهم» الذي تذكّرنا سيرته بنزعة تولستوي الإنسانيّة. وقد حملت تلك الأعمال بصمة مبدعين كبار من أمثال بابست.. كوزينتسيف، أورسون والس، ماسّنيه، ريشار شتراوس، مانويل دي فيلاّ، موريس رافال.. وغيرهم.

الكوميديا الموسيقيّة 
ومنذ نصف قرن تقريباً، كان تقديم «رجل المانشا»، تلك الكوميديا الموسيقيّة ذائعة الصّيت التي كتبت في الولايات المتّحدة، ثمّ قدّمت في أوروبا، لتكتسب بفضل مبدعها جاك برال، قدراً أوفر من الشّهرة والوجاهة والتألّق. مأخوذا بما كان يعتبره «انتصار الحلم على الحياة المعيشة»، سيركّز برال اهتمامه على شخصيّة الفارس، دون اعتبار لإخفاقاته وخيباته.

التباس علاقات الأدب والحياة
كانت الأعمال عن دون كيشوت قد عرفت وجهة أخرى جديدة، تركّزت منذ منتصف القرن التّاسع عشر على الرّقص، فكان عرض البالّيه الشّهير بسان بطرسبورغ سنة 1869، والذي قدّم فيه دون كيشوت على خلفيّة موسيقيّة. وقد خصّص هذا العمل لفارس المانش دوراً على هامش الحدث الرّئيسي: في المقدّمة.. حين كان يريد مرافقة سنشو في مغامراته، وأثناء مقاومته لطواحين الهواء، وأخيراً أثناء نزاله المظفّر على غاماش الذي سيسمح بفكّ عقدة الحكاية.
ويدفعنا هذا الانتشار السّريع والموصول لرواية سرفانتس إلى طرح سؤال ظلّ في المجال الأدبي محيّراً ومربكاً: «أيّ مكانة تحتلّ الكتب في الحياة الواقعيّة؟ وفيما يكون وجودها مهمّاً في حياة الإنسان؟ ما هو نصيبها من الحقيقة؟ هل تفصح عن حقائق مطلقة أم نسبيّة، وإذا كان الأمر كذلك، كيف تترجم عن حقيقتها؟».

الأسطورة مستمرة
لقد اكتشف دون كيشوت رغماً عنه مدى التباس العلاقات بين الأدب والحياة. وبدأ ذلك الاختبار منذ اللّحظة التي اقتنع فيها هيدلغو بمهمّته، وواجه فيها تفنيد الواقع له، مواجهة ستثبت إمعانه في مغامراته، أي «في الّلعبة الثابتة بين الطّبيعيّ والخارق، بين العقلانيّ واللاعقلانيّ وبين الواقع والحلم»، وبتثمين خاصّ للتّراجيديّ والهزليّ، وللجديّ والمضحك. 
ودون اعتبار للإفراط الذي كان يميّز هذه الشّخصيّة، أدرك النقّاد من أمثال ستيفاني شوفريي سطوة العدوى التي يمارسها الأدب على كلّ أولئك الذين يفتح أمامهم سبلاً إلى عالم الخيال. ولذا فإنّ الأسطورة التي لا يزال دون كيشوت يجسّدها إلى غاية اليوم، ستظلّ في تنوّعها ذاته، مصدراً لحيويّة موصولة وثابتة.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©