الثلاثاء 16 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

د. عبدالله الغذامي يكتب: التفكير الحر

عبدالله الغذامي
25 يونيو 2022 01:10

مرةً في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، خطب أحد الأدباء الرواد في جدة مثنياً على أديب آخر بأنه لم يتغير منذ نشأته الأدبية، وقرأ نصاً قديماً لزميله الأديب ليبرهن أنه لم يتغير على مدى أربعة عقود، والذي هالني في هذه القصة أنني كنت الوحيد حينها الذي لم يصفق تحيةً لذاك الوصف، وظللت أعجب من الناس بعامة حين يرون التغير عيباً والثبات مزيةً، ولنبدأ من فرضية أن أديباً ما أو مفكراً أو مبدعاً ثبت هو إياه على مدى أربعة عقود بحيث تستطيع أن تتنبأ سلفاً بما سيقوله وكيف يقوله قبل أن يقوله، وهذا موقف نشهده في زمننا على شاشات الفضائيات، حيث نلحظ أننا بتنا نعرف كثيراً من المعلقين السياسيين وتعليقاتهم على أي حدث طارئ ونجزم سلفاً أنهم سيقولون ما نعهدهم عندهم مما يعني تكرار المواقف وترديد الأفكار من دون تغير نوعي في الرؤية أو القراءة حسب تنوع السياقات، بل إن القنوات الفضائية نفسها تختار المعلقين تحت مظنة أنهم سيقولون ما تعهده عنهم وفيهم، وهذا خلل ثقافي عميق في أن يتجمد الفكر ويتوقف عن طرح تصورات تتحدد حسب شروط المستجدات أحداثاً أو معطيات، وهو ما يرسخ ثقافة الاستقطاب وتحديد الفواصل بين التصورات وبين الفئات عبر تثبيت الرؤى.
على أن الفكر الابتكاري والإبداعي هو ذاك الذي تحدث فيه التحولات العظمى أو Break throw، وهي ما حقق الثورات العلمية كما وقف عليها توماس كون، وهو التصور الذي نجده عند شاعر مثل محمود درويش الذي نلحظ أن كل قصيدة له تأتي في تحول لافت مع سابقتها، ومن ذلك ما نجده عند كانط وهو فيلسوف العقل الممجد للعقل وأنه القوة الذهنية الأعلى لدى البشر لكنه لم يركن لنظريته ولم يقف عند إيمانه المطلق بالعقل بل نظر في عجز العقل حين اقتضاه الأمر امتحان حدود العقل، ومن ثم كشف أن العقل عاجز عن إثبات وجود الله والخلود والإرادة الحرة، وأنه بحاجة لمهارة ذهنية أخرى رآها كانط في «القانون الأخلاقي»، الذي قال عنه لويس متمماً مشروع كانط بأن القوانين الأخلاقية مثلها مثل القوانين الطبيعية، أي أننا لم نصنع ولم نخترع أياً منهما ولكنهما مجودان من خارجنا وجوداً متعالياً يلزم أن يكون من منشئ متعالٍ، ونحن فقط نكشف قوانين الطبيعة ونسعى للتعرف على مفعولها وعن مؤداه، وكذلك مع قوانين الأخلاق التي هي ليست من مخترع أحد منا ولا نحن اخترعنا الضمير ولم نخترع تأنيب الضمير، ولكنه يحدث فنعرفه بسبب حدوثه وننفعل مع مفعوله علينا، وهذه معرفة أتت من كانط لأنه لم يركن لنظريته عن العقل مما جعله يتفوق على نفسه ويتفوق على ما يتوقعه الآخرون عنه، وهذه مهارة سنراها عند العلماء المبتكرين وعند المبدعين، حيث يخترقون نظام التوقع ويحققون نقلات نوعية تغير مسار التفكير الذاتي عندهم ومن ثم مسار التفكير البشري.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©