الأحد 26 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
الفلسفة.. جسر تواصل
تصوير: عادل النعيمي
23 مايو 2022 02:57

د. عز الدين عناية

على مدى النصف الثاني من القرن العشرين، وإلى مطلع القرن الحالي، هيمنت مقولات الفلسفة الألمانية على تصورات وأفكار كثير من أعلام الفلسفة العرب، وعلى المنشغلين بالفكر الفلسفي عموماً من الدارسين والمدرّسين. ولم ينحصر هذا الشغف بحدود الملمّين باللسان الألماني، بل شمل ذلك أيضاً من وَالوا، أو لنقل وقعوا في إغراء الفلسفة الألمانية، من المغاربة وبعض الشوام، ممن هم تقليدياً فرانكفونيو التكوين أو مزدوِجو اللسان (عربي/ فرنسي)، أو كذلك مع الأنجلوسكسونيي التكوين من باقي العرب. نقول ذلك لبيان سطوة حضور الفكر الفلسفي الألماني في أوساط المعنيين بمباحث الفلسفة الحديثة من العرب.

علاقة فكرية عميقة
وربما آن الأوان أن نسأل، وليس الغرض المكوث عند مجرد طرح السؤال، بل لنراجع البنى الفكرية ونمحّص التصورات الذهنية بشأن العلاقة العميقة التي ربطت الفلسفة الألمانية بالفلسفة العربية، أو لنقل بمنظور أوسع بالمنتوج الفكري العربي في أطواره وتجلياته المتعددة؟
والحال أننا لم نرصد بعدُ من فتح أبواب هذه الورشة، في الجانب العربي، أو من تجرّأ ضمن طرح معمَّق على الشروع في خوض مجاهل هذا الحقل، لِما يتطلّبه من دراية وأدوات، بغرض عرض خلاصة بنيوية للمسائل، لا يقتصر فيها الحديث على مجرد التطرق إلى سُلفة وقعت هنا أو هناك، أو تقليد حصل في مجال من المجالات؟ فالمسألة تحتاج إلى جهود مكثفة في حجم تشعبات قضايا الفلسفة الألمانية والفلسفة العربية الممتدة من الأساسات إلى الفروع.

  • مخطوطة تسرد مؤلفات ابن عربي (أرشيفية)
    مخطوطة تسرد مؤلفات ابن عربي (أرشيفية)

«ثيمات» الفكر الفلسفي
فلو انطلقنا من نظرة خاطفة في شأن الحقول الفكرية العميقة في الفلسفة الألمانية، نلحظ للوهلة الأولى تجاوراً في المفاهيم، والطروحات، والقضايا، والمسارات، مع الفلسفة العربية الكلاسيكية. وهو مما يحتاج إلى بحث متأنٍّ لرسم الثيمات الفاعلة والمتحكمة في التفكر الفلسفي. وهناك محاولات في الغرب في هذا السياق على مستوى رموز فكرية من الجانبين: هايدغر/ ابن عربي، إذ يقدّر الباحث الفرنسي هنري كوربان أن طرفي هذا الثنائي هما نبتتان تتفرع كلتاهما عن برعم قديم، وأن ما يقوله هايدغر قد قاله ابن عربي في عديد المواضع، ولذلك اعتبر كوربان أن ترجمة هايدغر من الألمانية إلى الفرنسية هي بالنسبة إليه عملية تدريب على الغوص في مقولات ابن عربي التي أتت بالنسبة له في مرحلة لاحقة.
 وبالمثل أيضاً حال يوليوس فلهاوزن/ ابن حزم الظاهري -ابن عزرا الغرناطي، إذ وجّهت المدرسة الفيلولوجية مع يوليوس فلهاوزن، منذ منتصف القرن التاسع عشر، انتقادات إلى التصورات التي ترى في الكتاب المقدس نصّاً موحى، بما عمدت فيه إلى ربط مصادر النص المقدس بمراحل تطوّر اليهودية وإعادة توزيعها حسب الفترات التاريخية. فهذا الزخم النقدي يعود أساساً إلى ابن حزم الظاهري وإلى ابن عزرا الغرناطي في اعتراضهما على نسبة التوراة وعرضهما حججاً لا تزال معتمَدة في المجال، وكذلك خلاصات رودولف أوتو (1860-1937م) في كتابه «المقدس» حول الجليل والعجيب والمهيب، وأن الأمر يتحدد وفق «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (كتاب «المقدس»، ص: 60)، فهناك صلة جلية بتصورات «أهل التوحيد» من المعتزلة لمفهوم الألوهية وللمنزِّهة بشكل عام.

المنهج التأويلي والهرمينوطيقا 
ويتّضح التقابس الحاصل بين الفلسفة الألمانية والفلسفة العربية، على وجه أوضح أيضاً، حين نضع الأمور في نصابها، ضمن رؤية موسّعة تتناول مناهج النظر المعتمدة، مثل المنهج التأويلي العربي وعلاقته بالهرمينوطيقا الألمانية، والمنهج الظاهري في فهم النصوص وعلاقته بالفينومينولوجيا الألمانية لدى شلايرماخر ولاسيما في تتبع علاقة الدين بالحدس، والمنهج العقلاني المعتزلي وعلاقته بالمنهج العقلاني الغربي، وهي في الواقع مناهج تجد تلامساً مع طروحات كبار الفلاسفة الألمان، ولا يمكن التطرق فيها إلى مجال دون استدعاء الطرف الآخر العــربي الذي قد يبدو قصيّاً للوهلة الأولى.

  • من أعمال مارتن هايدغر
    من أعمال مارتن هايدغر

الريادة والتراكم المعرفي
والواقع أن سؤال العلاقة بين الحقلين الفلسفيين الألماني والعربي، ينبغي ألّا يُطرح ضمن النقل، بل ضمن التكامل، وبالمثل ينبغي ألّا يُطرح أيضاً ضمن الريادة ولكن ضمن التراكم المعرفي، لأن العبقرية في هذا السياق هي انغلاق يَجبُّ ما قبله ويلغي ما بعده، في حين التكامل هو اعتراف بمجهود جميع الأطراف وإسهامهم. 
ويرصد هذا التواشج الحاصل أليكسندر كويري في مؤلفه «دراسات تاريخية حول الفكر العلمي»، الصادر عن «غاليمار» في فرنسا (1973) بقوله: إن تكن الحقبة القديمة للفلسفة إغريقية فإنّ الحقبة الوسيطة هي عربية، وهي مرحلة محورية، برز فيها العرب معلِّمين للغرب اللاتيني. فضمن مسار حضاري أهمل الرومان الفكر الفلسفي اللاتيني وانشغلوا بالفلاحة والاستراتيجيا الحربية والقانون والهندسة. في حين حازت الدراسات العقلية والفلسفية اهتماماً لدى العرب ما جعلهم ورثة التراث الإغريقي على مستوى فلسفي. 
وعلى هذا الأساس مثّلت القرون الوسطى «نهضة» في الحضارة الإسلامية بعكس ما هو سائد في التصور الغربي. في هذه الأجواء الفكرية صاغت الفلسفة العربية «وحدة العقل» بشأن الإنساني والكوني، ومنذ تلك اللحظة تمّ النظر إلى الحقيقة على أنها متقاسَمة بين الجميع، وأن العقل هو أداة تواصل كونية بين سائر البشر. الأمر الذي صبغ الكونية ووحدة العقل بصبغة عربية جلية.

تأسيس شراكة
ونحن حين نطرح موضوع الصلة بين الفلسفتين، الألمانية والعربية، والتقابس الحاصل بينهما، نرمي إلى تأسيس شراكة تهدف إلى تقدير التراصف الجاري في تطور الفكر الفلسفي، بعيداً عن مركزياته القاتلة. ويبقى السؤال المطروح في معالجتنا لقضية الصلة بين الفلسفة الألمانية والفلسفة العربية: ما الذي يعنيه تقابس المفاهيم والأفكار؟ 
ثمة تفسير يذهب إلى وحدة بنية العقل البشري، فكل يُعبّر عن مراده وفق أدواته المتاحة ووفق ما تراكم لديه من معارف ضمن استقلالية تامة، وإن كانت الأمور في نهاية المطاف مشروطة بلحظتها التاريخية. وثمة من يتابع المسارات على مستوى التلاقح الحضاري، بَيْد أن هذا التمشي غالباً ما يجرّ إلى ثنائيات الأصالة والتقليد، والمركز والهامش، والسابق واللاحق، وهي ثنائيات تخفي جوهر المسألة.
فعلى سبيل المثال، الإنسانوية كموجة فكرية، لم تكن دوافع الرواد الغربيين فيها عقلانيّةً صرفة ولا دينيّة خالصة، بل كانت إنسانية ضدّ مختلف أشكال الفظاعة. 

  • لوحة فنية دوِّن فيها شعر لابن عربي (أرشيفية)
    لوحة فنية دوِّن فيها شعر لابن عربي (أرشيفية)

تهاوي الصور النمطية
وعادة ما تطرح المسألة في السياق الغربي ضمن رؤية حصرية، ولّدت كثيراً من الصور النمطية «الكليشيهات» خلّفت في الرؤية الغربية أن الفكر العربي يدور حول الغيب لا حول الإنسان. وقد ساهم أرنست رينان مساهمة فعالة في ترسيخ ألّا موقع للفرد في التصور العربي، ولكن بالغوص في النصوص العربية المرجعية يلاحظ المرء تهاوي تلك «الكليشيهات». الأمر لا يقتصر على مفهوم «الإنسانوية» وإنما يشمل أيضاً سلسلة من المفاهيم: مفهوم الدولة، مفهوم التسامح، مفهوم الأخلاق وغيرها.
وهناك من الغربيين من رفض تلك المركزية وسعى في إعادة الأمور إلى نصابها. ونعرف أن الفيلولوجيا الألمانية عادة ما تصنّف المعلم إيكهارت بمثابته رائد التصوف الألماني. حصل ذلك في وقت كانت فيه أعمال إيكهارت اللاتينية مجهولة، بَيْد أن كورت فلاش في كتابه: «من ابن سينا إلى إيكهارت.. مصادر التصوف الألماني العربية» وضمن قراءة تاريخية مدققة، يعيد بناء السياق المعرفي الذي تطور فيه فكر الرجل. وقد أبرزَ أن التقليد الفلسفي العربي مع ابن سينا، وموسى ابن ميمون، وبالخصوص مع ابن رشد الذي احتضنه آباء الفلسفة الألمانية ألبير الكبير وديتريش دي فريبورغ هو ما منح إيكهارت المفاتيح الرئيسة لتأملاته. بما خلّف رؤية مغايرة للمسيحية، باتت معها قائمة على «الحجج الطبيعية للفلاسفة» بدل الخوارق. وكما يخلص كورت فلاش، فقد اعتقد الفلاسفة الألمان انتماءهم إلى التراث الإغريقي ليكتشفوا لاحقاً أنّ تحدّرهم من العرب.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©