السبت 25 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
النّداء القصيّ للترجمة
النّداء القصيّ للترجمة
12 مايو 2022 03:41

بقلم: يوسف صدّيق

هل يكون كلّ شيء قابلاً للتّرجمة، طالما أنّ الأمر يتعلّق بجمل ذات معانٍ غير ملتبسة، وطالما أنّ عمليّة تحويل تلك الجمل من نظام لغويّ إلى آخر، تكون بسيطة، ولا تتطلّب غير معرفة قويمة لمفردات كلتا اللّغتين وللدقائق النّحويّة لكلّ واحدة منهما، التي هي على رأي المختصّين، لغة الانطلاق ولغة الوصول. غير أنّه لا شيء أكثر إثارة للاختلاف من سلسلة من جمل صريحة المعنى ومتباينة في نصّ القصيد! حتّى إنّ الكثيرين ممّن تأمّلوا في هذه المسألة، يرون أنّ الشّعر هو تحديداً، ما يرشح من الرّواسب التي تبقى من لغة إلى أخرى، عصيّة على النّقل. وموريس بلانشو، الذي كان من أبرز المنظّرين للإبداع الأدبي، كانت له هذه الكلمات التي يحتجّ بها كثيرون، والتي تكون قد أصابت هذه المسألة في الصّميم: «إنّ معنى القصيد لا ينفصل عن كلّ كلماته وحركاته ونبراته. فلا وجود لهذا القصيد أو ذاك إلاّ ضمن ذلك المجموع، بل إنّ ذلك الكلّ قد يحتجب تماماً لو قمنا بفصله عن الصّيغة التي يكون قد تشكّل وفقها. فما يعنيه القصيد، يتماهى ولا شكّ، مع ما يترجم عنه حقيقة».
الحال أنّه لا مجال لتصوّر حقيقة قصيد ما، مستقلّة عن صيغته، أي من ذلك النّسيج من الكلمات التي يرسل البعض منها صداه للبعض الآخر، من مقطع إلى آخر، من الإيقاع، من القافية إن وجدت، ومن ذلك العنصر الصّوتيّ الذي لا تنقله إلينا غير اللّغة التي كتب بها. فكلّ شيء متماسك في القصيد على غرار الجسد الحيّ، ولذا، فإنّ ترجمة المعنى بمعزل عن جانبه الموسيقيّ، أي عن بُعده الشّفوي، ستكون مسبة للقصيد بوصفه وحدة عضويّة. وقد تتبدّى خيانة التّرجمة على مستوى آخر، ألا وهو المستوى التّصويري. فكما أنّ لكلّ قصيد نغميّة لا وجود له بدونها، فإنّ له أيضاً صورته بوصفه رسماً قُـدّ من حروف، أي صياغة من كلمات لا يمكن تصوّر تغيّرها إن ظلّ هو ثابتاً في كيانه. ثمّ إنّ التّقليد السّائد في المدارس، والذي يقضي بأن يتهجّى المتعلّمون أمثلة من الإنتاج الشّعري الأجنبي، يعدّ سبباً في التّعاطي مع القصيد كما لو كان نثراً، حيث لا يتمّ في الغالب الاحتفاظ بغير معنى الكلمات الواردة في التّرجمة، أي على مستواها الدّلالي فحسب. وإن صادف وتوفّق ذلك الأسلوب في نقل جميع مكوّنات القصيد، فلن يكون بوسعه ملامسة الانسجام القائم، في القصيد الأصليّ، بين تلك المكوّنات.

الرومنطيقية الثانية 
لقد كانت للتّرجمة الشّعريّة في الماضي دوافع أخرى: التعرّف على إبداعات الشّعوب الأخرى مثل الإلياذة والأوديسّة والإييانيد وسونيتات شكسبير.. فيما كانت «منازل الحكمة» في بلاد الإسلام موهوبة لمثل تلك الغاية. ولذا، فإنّ ضرورة التعرّف على التّراث العالمي في المجال الأدبي كان قد غيّب بشكل ما اعتبارات الأمانة في ما كان يترجم. وقد نتساءل في هذا الصّدد إن لم يكن التعسّف الذي خضع له النصّ الشّعريّ في الأثناء، قد انطوى على سرّ التّرجمة الوجيهة، طالما أنّ ما كان يحكم تلك التّرجمة هو البحث عن روح القصيد.
وفي نهاية القرن الثّامن عشر كان ثمّة في ألمانيا، تأمّل في موضوع التّرجمة تزعّمه الرّومنطيقيّون الأوائل الذين جمعتهم مجلّة «الآتينوم»، وشكّلوا يومها ما كان يعرف بـ«جماعة إيينا». وكان عدد كبير من الشّعراء الأعضاء في تلك الجماعة، يعملون في ذات الوقت على إعادة النّظر في أسلوب ترجمة الأعمال الشّعريّة، وعلى اقتراح صيغ من نصوص شعريّة تكون فريدة لدى القارئ الألماني. ويمكن الحديث بصددهم عن فلسفة جديدة تعنى بترجمة الشّعر، حظيت الأعمال المترجمة فيها باحتفاء النقّاد، لينظر إلى بعضها على الأقلّ على أنّها روائع أدبيّة: وكذلك كانت ترجمات شليغل لشكسبير، غير أنّ أسلوبها في الصّياغة لم يسلم من النّقد، وفي الطّور الرّومنطيقيّ الثّاني، استعادت فكرة الشّعر كعمل غير قابل للتّرجمة، وجاهتها وعنفوانها. ونحن مدينون بشكل خاصّ لكليمانس برنتانو الذي كان يرى أنّ ترجمات الرّومنطيقيّين الأوائل كانت أشبه بعمليّة «إرباك للشّكل بلون صوتيّ»، وأنّ التّرجمة بالنّسبة لهؤلاء كانت ضرباً من الإمعان في الرّومانسيّة! فما حقيقة الأمر؟ يبدو أنّ هذا الحوار يمكن أن ينيرنا في ذات الوقت حول قواعد التّرجمة الشّعريّة وعن آفاقها الممكنة. ولذا، يكون لزاماً التعرّف عن قرب على «جماعة إيينا» ومفهومها للتّرجمة.

تخمينات «جماعة إيينا»
في نهاية القرن الثّامن عشر، احتضنت مدينة إيينا المتواضعة في جامعتها وجهين بارزين للثّقافة الألمانيّة: الشّاعر شيلر، الذي كان يلقي محاضراته حول التّاريخ الكوني، والفيلسوف فيخته، الذي كان يجسّد النّزعة المطلقة للمثاليّة الألمانيّة، تلك المثاليّة التي كان من أبرز رموزها يومذاك شيلينغ وهيغل. وهناك، في سنة 1798، اعتزم أخوان تأسيس مجلّة للتّقريب بين طلبة شبّان يجمعهم حبّ الشّعر، ونشأت هكذا مجلّة «الآتينوم»!.. والأخوان هما فريدريش وأوغست فلهلم شليغل، اللذان سيلتحق بهما مثقّفون بارزون من أمثال تيك ونوفاليس، وكذلك مؤسّس الهرمينوطيقا الحديثة شلايرماخر. تجربة ستكون قصيرة نتيجة إخفاقها التجاريّ ولاشكّ، ولكنّها ستمكّن عبر صفحاتها من تقديم تأمّلات حاسمة لا تزال أصداؤها تتردّد إلى غاية اليوم.
وثمّة تخمينان مركزيّان سيحظيان بالبحث في تلك المجلّة. يعتبر أوّلهما أنّ كلّ عمل أصيل يعتزم التّرجمة هو في حدّ ذاته ترجمة، تفيد بوجود عمل مثاليّ يستمدّ منه النصّ الشّعريّ الأصليّ وجوده كغاية، وإن كان مجرّد نسخة منه! ولا يكون العمل الذي يعتبر أصليّاً سابقاً إلاّ بصورة «اختباريّة». والتّرجمة التي تسعى إلى ذلك هي على كلّ ما يمكّن من اكتشاف الهوّة التي تفصله عن الفكرة التي يستمدّ منها أصله. إنّها تتكشّف بذاتها من ذاتها كترجمة، كعمل موهوب لشيء ما يتجاوزها، ولا يكون بوسعه تملّكها بصورة كليّة.
أمّا التّخمين الثّاني، فينطلق تحديداً من ذلك الإثبات ليؤكّد أنّ التّرجمة أعلى مرتبة من الأصل، طالما أنّها تحرّر الفكرة من سطوة التمثّل الاختباري، فتجعلها تغادر أرضيّة اللّغة الأمّ لتلتحق بوطن لغة أجنبيّة، هي وطنها الأصليّ! وهذا على سبيل المثال ما كتبه فريدريش شليغل في «الآتينوم» بخصوص العمل الإبداعيّ: «ينبغي أن يكون قد سافر عبر القارّات، ليس من أجل برد زوايا فرادته، وإنّما لتوسيع رؤيته، ومنح فكره حريّة أكبر، ليكون بذلك أكثر وثوقاً واستقلاليّة. وبمعنى آخر، فإنّ التّحريف الذي تخضع له الصّيغة الأولى وهي تعبر من لغة إلى أخرى من خلال التنوّع اللّغوي في العالم، هو.. وبشكل مفارق، ما يسمح لها دائماً بالكشف عن قدر أكبر من الحقيقة.. فليس ثمّة في النصّ الشّعريّ تبدّد أو استنزاف للذّات في عمليّة التّرجمة، بل ثمّة على العكس من ذلك اكتساح للعمق الخاصّ بها! وذلك ما يمكن أن يقال بشكل مختصر عن «جماعة إيينا» حين يتعلّق الأمر بموضوع التّرجمة الشّعريّة. وهذا حينئذ ما ستسعى الموجة الرّومانسيّة الثّانية إلى مواجهته، مؤكّدة عبر أسبقيّة الموسيقى، الطّابع غير القابل للتّرجمة للنصّ الشّعريّ، ومتّهمة أسلاف رومنطيقيّة إيينا بأنّهم ضلّوا في ما كانوا يعتبرونه على الأرجح ضرباً من الهذيان النّظري وهم يحاولون إكساب الأعمال الأجنبيّة بعداً رومانسيّاً.

فرادة نوفاليس
ولكن.. هل يتعلق الأمر حقيقة بحالة هذيان؟ فماذا لو تتخفّى عنّا وراء هذا الارتياب علامات تحرّر وغواية الانطواء على الذّات!.. و هذا تحديداً ما يقترحه علينا الأخصّائيّ الفرنسيّ الخائض في فنون التّرجمة، أنطوان برمان، الذي يرى في ذلك «وجود إرادة انغلاق على الذّات وحالة من نبذ التّواصل، أي إرادة تمرّ عبر تعبّد الموسيقى في علاقتها باللّغة الأمّ، تصل أحياناً حدّ إطلاق العنان لنزعة فولكلوريّة».
وتنبغي الإشارة هنا إلى أنّ الرّومنطيقيّين الأوائل كانوا قد استبقوا الانتقادات الممكنة. ففي مقال آخر من «الآتينيوم» بعنوان «غبار الطّلع» كشف نوفاليس عن وجود «ترجمة قواعديّة» و«ترجمة ترميميّة»، ثمّ «ترجمة أسطوريّة». ولكنّ نوفاليس بيّن أنّ الترجمة «القواعديّة»، هي التي تستلزم حشد كلّ الإمكانيّات التّقنيّة كيما تكون ملتحمة بالنصّ الأصلي. وعكس ذلك هي التّرجمة «التّرميميّة»، التي تؤثر المراوغة في التّعاطي مع النصّ الأصلي، ولهذا السّبب كانت محلّ انتقادات شديدة من قبل نقّاد الأدب. غير أنّ تلك الانتقادات لم تكن دوماً مبرّرة، لأنّ المترجم «المرمّم» هو «شاعر الشّاعر»، يمارس عبر «إيماء روحيّ»، عمليّة «إعادة خلق للخصوصيّة الفرديّة لما هو أجنبي..». ويعني ذلك أنّ القصيد يكون محملاً للتأمّل يسعى فيه المترجم لملاقاة الشّاعر، ثمّ يعود من ذاك اللّقاء للقصيد لمنحه وجوداً ثانياً في لغة أجنبيّة. حينئذ، لا يتعلّق الأمر هنا بالتزام الأمانة لنصّ، وإنّما تخصّ تلك الأمانة الرّوح المبدعة للشّاعر ومقاصده.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©